شهدت العاصمة اللبنانية بيروت حراكا دبلوماسيا واقتصاديا لافتا تمثل في زيارة وفد حكومي سوري رفيع المستوى يضم عددا من الوزراء والمسؤولين المعنيين بقطاعات الاستثمار والاقتصاد والزراعة والنقل. وتهدف هذه الخطوة إلى فتح افاق جديدة للتعاون الثنائي وبناء شراكات عملية تخدم مصالح البلدين في ظل مرحلة من التغيير السياسي والارادة المشتركة نحو التكامل. واستقبل الرئيس اللبناني جوزيف عون الوفد السوري في القصر الجمهوري بحضور وزراء ومسؤولين لبنانيين لبحث سبل تعزيز الاستقرار الاقتصادي المشترك.

واكد الرئيس اللبناني خلال اللقاء على اهمية ترسيخ العلاقات بين بيروت ودمشق استنادا الى قواعد التكامل والتوازن والاحترام المتبادل لسيادة الدولتين. واشار الى ان هذه الزيارة تمثل مؤشرا ايجابيا على صحة العلاقات بين الجارين وتفتح الباب امام فرص استثمارية كبرى في المنطقة. واوضح عون ان الموقع الجغرافي المتميز للبلدين على البحر المتوسط يمنحهما ميزة تنافسية كبرى تجعلهما مركزا حيويا للتبادل التجاري والخدماتي في حال استغلال القدرات المتاحة بشكل صحيح.

وشدد الرئيس على ان استقرار لبنان يرتبط بشكل وثيق باستقرار سوريا مشيرا الى ان الازمات السابقة يجب ان تتحول الى فرص للتنمية والتطوير الاقتصادي. وبين ان العمل يجب ان يتركز على تعزيز الاستقرار الامني والعسكري بالتوازي مع دفع عجلة النمو الاقتصادي لتحقيق ثبات اكبر للاوضاع. واضاف ان التكامل بين البلدين يشبه في جوهره النماذج الناجحة في العالم مثل الاتحاد الاوروبي وهو ما يسعى لترسيخه من خلال مبادرات اقليمية.

مرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي المؤسساتي

وكشف وزير الاقتصاد السوري عن تطلعات بلاده لفتح صفحة جديدة قائمة على السلام والصدق والمحبة بعيدا عن ممارسات الماضي. واوضح ان الوفد السوري يطمح الى بناء علاقات متوازنة وعادلة مع لبنان تخدم تطلعات الشعبين في النهضة والتنمية. واشار الى ان مجالس الاعمال المشتركة ستلعب دورا محوريا في الفترة المقبلة كجسر للتواصل بين القطاع الخاص في كلا البلدين وتذليل العقبات البيروقراطية امام رجال الاعمال.

واضاف الوزير السوري ان القطاع الخاص يعد المحرك الاساسي للتنمية وان الشركات الصغيرة والمتوسطة ستكون الركيزة الاساسية في عملية البناء الاقتصادي القادم. وبين ان الوجود السوري في بيروت ليس بهدف المنافسة التجارية بل للتكامل والعمل ككتلة اقتصادية قوية قادرة على الانطلاق نحو الاسواق العالمية. واكد ان التنسيق جار مع الجانب اللبناني لاعداد دراسات جدوى لمشاريع استثمارية مشتركة من شأنها النهوض بالواقع المعيشي.

واوضح وزير الاقتصاد اللبناني عامر البساط ان العمل جار بتوجيهات رئاسية لترسيخ علاقة مؤسساتية بين البلدين عبر اتفاقيات وبروتوكولات واضحة. وذكر ان التركيز ينصب حاليا على جعل لبنان وسوريا ممرا حيويا لخطوط النقل البري التي ستخدم المنطقة برمتها. وشدد على ضرورة الاستفادة من الفرص المتاحة في القطاع الخاص معتبرا ان تذليل العقبات الادارية هو اولوية قصوى لضمان تدفق الاستثمارات.

منتدى الاستثمار السوري اللبناني كمنصة انطلاق

وشارك الوفد السوري في منتدى الاستثمار السوري اللبناني الذي عقد في بيروت كخطوة عملية نحو تحويل الخطط الى واقع ملموس. واظهرت فعاليات المنتدى جدية الطرفين في الانتقال بالعلاقات من مجرد روابط جغرافية الى شراكة استراتيجية تبنى على المصالح المشتركة. واشار المشاركون الى ان هذا التجمع يمثل اضخم وفد حكومي سوري يزور لبنان منذ سنوات مما يعكس رغبة حقيقية في طي صفحات الماضي.

وبين الوزير السوري ان التكامل الاقتصادي يحتاج الى قواعد واضحة ومؤسسات موثوقة ومعابر فعالة ومصارف قادرة على تمويل التجارة البينية. واكد ان الوقت قد حان للانتقال الى شراكة تصنعها الارادة المشتركة بعيدا عن المعوقات السابقة. واوضح ان نجاح احد البلدين سيصب بشكل مباشر في مصلحة الاخر مما يجعل التنافسية تذوب في بوتقة التكامل والتعاون.

واختتمت اللقاءات بالتأكيد على ان هذه الخطوات تمثل لحظة مفصلية في تاريخ العلاقات بين بيروت ودمشق. واكد المسؤولون ان المطلوب هو استخلاص الدروس من التجارب السابقة والنظر الى المستقبل برؤية اقتصادية براغماتية. واضافوا ان الهدف النهائي هو خلق بيئة استثمارية جاذبة تعزز من قدرات البلدين على مواجهة التحديات الاقليمية وتحقيق الازدهار لشعبيهما.