تشهد التحركات الدولية الرامية لانهاء الحرب في السودان منعطفا سياسيا جديدا يتسم بالتعقيد الدبلوماسي، حيث تبرز مواقف متباينة بين القوى الاقليمية والولايات المتحدة بشأن مستقبل البلاد. واظهرت دول مثل السعودية ومصر وتركيا وباكستان موقفا موحدا يدعم مؤسسات الدولة السودانية الشرعية ويرفض وجود اي كيانات موازية قد تهدد سيادة البلاد ووحدتها الترابية، وهو ما يتزامن مع تصاعد حدة التوتر بين الخرطوم وواشنطن حول ملفات جوهرية تتعلق بمسار السلام.

واكد وزراء خارجية الرباعي الدولي خلال اجتماعاتهم على هامش اعمال الجمعية العامة للامم المتحدة في نيويورك، على ضرورة الحفاظ على استقلالية القرار السوداني ورفض التدخلات التي تؤجج الصراع عبر تدفق السلاح. وبين المجتمعون ان الحل يجب ان ينبع من احترام المؤسسات الوطنية، مشددين على ان اي مبادرات خارجية يجب ان تراعي خصوصية الوضع السوداني دون فرض املاءات تتجاوز السيادة الوطنية.

وكشفت الخارجية السودانية في بيان رسمي عن رفضها للموقف الاميركي الاخير، موضحة ان اي مساعي للسلام لا بد ان ترتكز على الاعتراف بالشرعية القائمة ورفض محاولات المساواة بين الجيش وقوات الدعم السريع. واضافت الوزارة ان الخرطوم تبدي انفتاحا للتعاون مع مختلف الشركاء الدوليين والاقليميين شريطة احترام الثوابت الوطنية وعدم اضفاء شرعية على واقع فرضته الحرب.

ازمة التأشيرة والضغوط الاميركية

وتفاقمت الازمة الدبلوماسية مع تعثر حصول رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان على تأشيرة دخول للولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الامم المتحدة. واشار مندوب السودان لدى المنظمة الدولية الى ان منع رئيس دولة من حضور المحافل الدولية يعد سابقة خطيرة، مطالبا الامين العام انطونيو غوتيريش بالتدخل العاجل لدى السلطات الاميركية لضمان تمثيل البلاد على اعلى المستويات.

واوضح المتحدث باسم الامم المتحدة ان غوتيريش يتابع بقلق بالغ تعثر اجراءات التأشيرة، في وقت افادت فيه تقارير بان البرهان قد ارجأ سفره بانتظار توضيحات رسمية. واكدت مصادر دبلوماسية ان هناك ربطا غير معلن بين منح التأشيرة وموافقة القيادة السودانية على مقترح اميركي لهدنة انسانية طويلة الامد تصل الى تسعين يوما.

وبينت التحليلات ان الخرطوم ترفض صيغة القبول او الرفض للمقترحات الاميركية، معتبرة ان اي هدنة يجب ان تكون مرتبطة بانسحاب قوات الدعم السريع من المناطق التي تسيطر عليها ووضع آليات مراقبة فاعلة. وشدد البرهان في مقالات صحفية على ان التجارب السابقة لاتفاقات وقف النار استغلتها الاطراف الاخرى لاعادة ترتيب صفوفها، وهو ما يجعل الموقف السوداني اكثر حذرا تجاه المبادرات التي تفتقر الى الضمانات.

تصعيد اللهجة الدولية ومستقبل الصراع

وصعدت واشنطن من لهجتها تجاه اطراف النزاع متهمة اياهم بالتقاعس عن الالتزام بهدنة فورية، ولوحت بزيادة الضغوط الاقتصادية والسياسية لرفع تكلفة استمرار الحرب. واشار مسؤولون اميركيون الى ان الادارة الحالية ملتزمة بإنهاء الازمة الانسانية، داعين الى حوار سوداني شامل يقود نحو مرحلة انتقالية مدنية.

واضافت واشنطن انها تطالب بوقف فوري للعمليات العسكرية دون شروط مسبقة، معتبرة ان استمرار تدفق السلاح يطيل امد المعاناة. واكدت ان المجتمع الدولي سيتخذ خطوات عملية لتقييد الشبكات التي تغذي الصراع، مشددة على ضرورة توسيع حظر الاسلحة المفروض من قبل الامم المتحدة ليشمل كافة الاطراف المتورطة.

وتعيد هذه التطورات للاذهان سوابق دبلوماسية مشابهة تعاملت فيها الولايات المتحدة مع قيادات سودانية سابقة، حيث تظل التساؤلات مطروحة حول مدى قدرة الدبلوماسية على تجاوز هذه العقبات. واختتمت الاوساط السياسية رؤيتها بان المشهد السوداني يمر بمرحلة دقيقة تتطلب توازنا بين الضغوط الدولية والحفاظ على السيادة الوطنية لتجنب المزيد من الانزلاق نحو المجهول.