يواجه سكان قطاع غزة واقعا اقتصاديا معقدا في ظل استمرار القيود المشددة التي تفرضها السلطات الاسرائيلية على دخول السلع الاساسية والتقنية. وتفاجأ المواطنون مؤخرا بظهور اجهزة هواتف ذكية حديثة جدا في الاسواق المحلية رغم الحظر المفروض على استيراد مثل هذه التقنيات. وتصل هذه الاجهزة الى القطاع عبر مسالك غير تقليدية وباسعار فلكية تتجاوز اضعاف قيمتها الحقيقية في الاسواق المجاورة مما يعكس وجود شبكات معقدة تدير عمليات توريد خاصة بعيدا عن الرقابة الرسمية.
واظهرت المتابعات الميدانية ان سعر الهاتف الواحد قد يصل الى مبالغ طائلة تقدر بعشرات الاف الشواقل وهو رقم يعجز المواطن العادي عن توفيره في ظل الظروف المعيشية الصعبة. واكد تجار محليون ان هذه البضائع تتدفق عبر منافذ خاضعة لسيطرة قوات الاحتلال مما يثير تساؤلات حول الاليات التي تسمح بمرورها بينما تظل الاحتياجات الضرورية عالقة على الجانب الاخر من المعابر.
وكشف اصحاب معارض هواتف في غزة ان هذه الكميات المحدودة تدخل ضمن صفقات سرية يشارك فيها اطراف من الجانب الاسرائيلي. واضافوا ان بعض التجار استغلوا علاقاتهم مع شخصيات ذات نفوذ لتسهيل ادخال سلع محظورة تشمل الى جانب الهواتف معدات طاقة شمسية ومستلزمات تكنولوجية اخرى يحتاجها السكان بشكل ملح في حياتهم اليومية.
شبكات التهريب وتجار الحرب
وبين تجار من قطاع غزة ان عمليات التهريب اصبحت تعتمد على طرق احتيالية مبتكرة تتجاوز الحواجز التقليدية. واشاروا الى ان هذه الانشطة افرزت طبقة جديدة من المستفيدين الذين يطلق عليهم محليا لقب تجار الحرب بعد ان نجحوا في مراكمة ثروات طائلة من خلال التحكم في اسعار السلع النادرة التي يتم ادخالها بطرق غير قانونية.
واكدت معلومات متواترة ان هناك تنسيقا يتم بين تجار من غزة واطراف من الجانب الاسرائيلي لضمان وصول هذه الشحنات. واوضح المتابعون ان بعض هذه العمليات تتم عبر استغلال ثغرات امنية او دفع رشى لضباط وجنود لتمرير بضائع معينة بينما تظل المواد الطبية والأساسيات المعيشية الاخرى ممنوعة من الدخول مما يفاقم الازمة الانسانية.
وشدد خبراء اقتصاد على ان هذه الظاهرة تعمق الفجوة الطبقية داخل المجتمع الغزي. واضافوا ان سيطرة العصابات المسلحة وبعض الشخصيات النافذة على مسارات التهريب جعلت من السلع الترفيهية متوفرة لاصحاب الاموال فقط بينما يعاني عامة الناس من نقص حاد في ابسط مقومات الحياة اليومية.
سياسة الحصار وتذبذب الاسواق
وكشفت تقارير سابقة عن تورط مسؤولين عسكريين اسرائيليين في تسهيل عمليات ادخال بضائع مقابل مبالغ مالية ضخمة. واظهرت تحقيقات لاحقة ان هذه الممارسات لم تكن فردية بل شملت شبكات واسعة من المتورطين الذين استغلوا حاجة القطاع للسلع لتعظيم ارباحهم الخاصة على حساب الوضع الانساني المتدهور.
واوضح مراقبون ان منع دخول المواد الاساسية مثل الادوية والمعدات الطبية مقابل السماح بمرور سلع كمالية يندرج ضمن سياسة اسرائيلية تهدف الى خلق ازمات دورية في الاسواق. واكدوا ان هذا التذبذب في توافر السلع يؤدي دائما الى انفجار في الاسعار يحرم الفئات المهمشة من الحصول على احتياجاتهم الاساسية.
وبين السكان ان النقص الحاد في مواد البناء والوقود والخيام يفرض عليهم البحث عن بدائل مكلفة للغاية. واضافوا ان التجار الذين ينجحون في تهريب هذه المواد يفرضون اسعارا خيالية مما يضاعف من معاناة العائلات النازحة التي لا تجد مفردا سوى القبول بهذه الاسعار تحت وطأة الحاجة الماسة للبقاء.
