عادت حالة من التوتر الامني لتخيم على العاصمة الليبية طرابلس مجددا اثر خلافات حادة حول مناطق الانتشار والسيطرة الميدانية في جزيرة القادسية بقلب المدينة. وكشفت هذه التطورات عن هشاشة الترتيبات الامنية التي حاولت حكومة الوحدة الوطنية فرضها خلال الفترة الماضية لضبط ايقاع القوى المسلحة وتوزيعها داخل العاصمة. واظهرت الاحداث الاخيرة ان خريطة النفوذ العسكري لا تزال عرضة للتقلبات في ظل غياب استراتيجية موحدة تحسم ملف التمركزات بين التشكيلات المسلحة المختلفة.

واعلن لواء المحجوب القادم من مدينة مصراتة في بيان رسمي عن انسحابه من جزيرة القادسية بالتعاون مع جهاز الشرطة القضائية. وبين اللواء ان هذا القرار جاء كخطوة مؤقتة بانتظار عقد اجتماع عاجل مع وزير الدولة لشؤون رئيس الحكومة لتحديد النقاط الامنية المعتمدة. واكدت مصادر ميدانية ان الانسحاب يهدف الى تجنب صدام مباشر مع اطراف اخرى تتنازع على السيطرة في المنطقة ذاتها.

واوضح اللواء في توضيحه ان الخلاف في جوهره امني وليس شخصيا كما يروج البعض. واضاف ان التحركات الميدانية تستند في الاساس الى ترتيبات تتيح لاي قوة مكلفة من وزير الدفاع التمركز في المواقع الحيوية وفقا للخطط المعتمدة. وشدد على ان الهدف من هذه الخطوات هو تنظيم الوجود العسكري ومنع حدوث تداخل في الاختصاصات بين الاجهزة الامنية المتعددة.

تعقيدات الخريطة الامنية في العاصمة

وبينت التحليلات ان جزيرة القادسية تحولت الى نقطة ساخنة تشهد احتكاكات متكررة بسبب تضارب النفوذ بين فصائل مسلحة متباينة الولاءات. واكد مراقبون ان هذا الانسحاب لا ينهي الازمة بل يفتح الباب امام اختبار جديد لقدرة السلطة التنفيذية على فرض سيطرتها. واضافوا ان الاجتماعات المرتقبة بين الاطراف ستكون حاسمة في تحديد مدى نجاح الحكومة في منع تحول هذه الخلافات الى مواجهات مسلحة تهدد استقرار العاصمة.

وذكرت تقارير ميدانية ان تعدد الجهات التي تتولى مهام الامن في طرابلس يجعل المشهد الامني معقدا للغاية. واوضحت ان وجود قوات تابعة لوزارة الدفاع واخرى للداخلية بالاضافة الى جهاز الردع وتشكيلات مصراتة يخلق حالة من التنافس المستمر. واكدت ان اي خلاف بسيط حول نقطة تمركز قد يتطور بسرعة الى مواجهة واسعة النطاق اذا لم تتدخل القنوات السياسية للتهدئة.

واشار خبراء امنيون الى ان محاولات حكومة الدبيبة لاعادة تنظيم الخريطة الامنية تواجه تحديات كبيرة بسبب تباين المصالح بين القوى المسيطرة. واضافوا ان لجوء الحكومة الى اكثر من قوة لضمان الامن خلق توازنات هشة قد تنهار في اي لحظة. وبينت الاحداث ان قوة اسناد مديرية امن طرابلس حاولت دمج العناصر المختلفة لكنها لا تزال تواجه صعوبات في توحيد القرار الميداني.

تداخل الصلاحيات ومستقبل الاستقرار

وكشفت التطورات ان جهاز الشرطة القضائية رغم تبعيته الرسمية لوزارة العدل يجد نفسه باستمرار في قلب صراعات النفوذ المسلح. واضافت المعلومات ان هذا الجهاز الذي يختص بحراسة السجون والمحاكم اصبح طرفا في التجاذبات الامنية داخل طرابلس. وشددت على ان استمرار هذا التداخل يضعف من هيبة المؤسسات الرسمية ويجعلها رهينة لتوازنات القوى على الارض.

وظهر جهاز الردع لمكافحة الارهاب والجريمة المنظمة كواحد من اقوى الفاعلين في المشهد الامني بطرابلس. وبينت التقارير ان استقلالية الجهاز الميدانية وتمركزه في مجمع معيتيقة يمنحه ثقلا استراتيجيا لا يمكن تجاوزه. واكدت ان علاقته بالحكومة تشهد حالات من المد والجزر مما يؤثر بشكل مباشر على استقرار المناطق الحيوية في وسط وشرق العاصمة.

واختتمت التقديرات بان انسحاب لواء المحجوب هو مجرد فصل في قصة طويلة من التنافس على النفوذ. واكدت ان نجاح الحكومة في تثبيت الامن يعتمد كليا على قدرتها في حسم التمركزات ومنع التداخل بين التشكيلات المسلحة. وبينت ان المرحلة المقبلة ستكون الاختبار الحقيقي لمدى تماسك الترتيبات الامنية في طرابلس.