تتصدر طوابير السيارات الطويلة المشهد اليومي في العاصمة السودانية منذ ساعات الصباح الاولى حيث يضطر السائقون لقضاء ساعات طويلة في انتظار الحصول على حصص محدودة من الوقود وسط تزايد المخاوف من تعطل مصالحهم اليومية وضياع مصدر رزقهم الوحيد في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.
وتشير المعطيات الميدانية إلى أن هذه الازمة لم تعد مجرد نقص عابر بل تحولت إلى عبء ثقيل يلقي بظلاله على تكاليف النقل واسعار السلع الاساسية والخدمات الضرورية مما يضاعف الضغوط المعيشية على كاهل الاسر السودانية التي تعاني اصلا من تبعات الحرب وتدهور القدرة الشرائية للعملة المحلية.
واظهرت ارقام المتعاملين في السوق ان اسعار البنزين والسولار داخل المحطات الرسمية باتت تتفاوت بشكل كبير عن اسعار السوق الموازية التي تشهد نشاطا ملحوظا نتيجة شح المعروض وتزايد الطلب مما يفتح الباب امام مضاربات تزيد من حدة الازمة وتجعل المواطن البسيط هو الخاسر الاكبر في هذه المعادلة.
انعكاسات الازمة على الواقع المعيشي
وقال معز ابراهيم وهو موظف حكومي ان وقته يضيع يوميا في طوابير الانتظار مما يؤثر بشكل مباشر على التزاماته الوظيفية وانتاجيته في العمل مؤكدا ان استمرار هذا الوضع بات يهدد استقرار حياته المهنية والاجتماعية في آن واحد.
واضاف السائق محمد المجتبى ان اصحاب المهن اليومية اصبحوا امام خيارين احلاهما مر فإما قضاء اليوم كاملا في الانتظار او اللجوء للسوق السوداء بأسعار باهظة تلتهم ما تبقى من دخلهم اليومي الذي بالكاد يكفي لتغطية نفقات الطعام والدواء.
وبين المواطن محمد عبد المنعم ان الازمة تتجاوز مجرد توفر الوقود لتصل إلى تفاصيل الحياة اليومية حيث ادى ارتفاع تكاليف النقل إلى زيادة اسعار السلع والخدمات بشكل غير مسبوق مما جعل الحياة اكثر تعقيدا بالنسبة لذوي الدخل المحدود.
موقف الجهات الرسمية من ازمة الامدادات
واكدت وزارة الطاقة والنفط ان الامدادات الوقودية تنساب بشكل طبيعي إلى المحطات نافية وجود عجز في المخزون وموضحة ان التكدس امام المحطات يعود لاسباب فنية تتعلق ببطء التطبيقات المصرفية في عمليات الدفع.
واوضحت الوزارة ان التوترات الجيوسياسية في منطقة باب المندب اثرت بشكل مباشر على حركة ناقلات النفط ورفعت من تكاليف التأمين البحري والشحن مما تسبب في تاخير وصول بعض الشحنات المقررة في المواعيد المحددة.
وشددت الوزارة على أنها تبذل جهودا حثيثة بالتنسيق مع الجهات المعنية لضمان استقرار الامدادات والعمل على تجاوز التحديات الخارجية التي تفرضها الظروف الاقليمية لضمان وصول المشتقات النفطية إلى كافة ارجاء البلاد.
رؤية الخبراء لحل معضلة الوقود
وقال الخبير الاقتصادي هيثم محمد فتحي ان تداعيات الحرب على مصفاة الخرطوم شكلت ضربة قوية للاكتفاء الذاتي مما جعل البلاد رهينة للاستيراد الخارجي وتقلبات اسعار النفط العالمية وسلاسل الامداد المضطربة.
واضاف فتحي ان غياب المخزون الاستراتيجي الكافي وضعف منظومة الرقابة الحكومية سمحا بانتشار السوق السوداء التي تستغل ثغرات التوزيع للتحكم في الاسعار وفرض واقع مالي جديد يثقل كاهل المواطنين.
وبين ان الحل الجذري يتطلب اعادة هيكلة شاملة لقطاع النفط والتركيز على تنويع مصادر الاستيراد مع ضرورة تشديد الرقابة على عمليات التوزيع لمنع التلاعب وضمان وصول الوقود لمستحقيه بأسعاره الرسمية بعيدا عن شبكات السوق الموازية.
