تتزايد في الاونة الاخيرة ظاهرة التمويل الاستهلاكي في الاسواق المصرية بشكل لافت للنظر حيث تحولت من مجرد وسيلة لشراء الاجهزة الكهربائية والسلع المعمرة الى ملاذ يلجأ اليه المواطنون لتغطية نفقاتهم المعيشية الاساسية. ويلاحظ الخبراء ان العروض التمويلية باتت تطارد المستهلكين في كل مكان مع وعود بتسهيلات سداد ميسرة لا تتطلب ضمانات بنكية معقدة وهو ما يراه البعض فخا ماليا يهدد الاستقرار الاسري على المدى البعيد.
واشار خبراء اقتصاديون الى ان التوسع في هذا النوع من التمويل يعكس حالة من القلق المتزايد تجاه تراجع القدرة الشرائية للمواطن المصري تحت وطأة التضخم المستمر. واوضحوا ان غياب الضمانات التقليدية التي تطلبها البنوك جعل هذه الشركات تنتشر كالنار في الهشيم لتقدم خدماتها في تقسيط كل شيء بدءا من الاحتياجات اليومية وصولا الى الالتزامات الدراسية والاعباء العائلية.
وكشفت البيانات الرسمية الصادرة مؤخرا عن قفزات هائلة في حجم التمويل الاستهلاكي الممنوح في مصر حيث تضاعفت الارقام بشكل غير مسبوق خلال السنوات القليلة الماضية لتصل الى مليارات الجنيهات بمشاركة ملايين المستفيدين الذين وجدوا في التقسيط طوق نجاة مؤقت لمواجهة غلاء الاسعار الجنوني.
مؤشرات اقتصادية مثيرة للجدل
وبينت التجارب الواقعية للكثير من المواطنين ان الاعتماد على تطبيقات التمويل اصبح جزءا من الحياة اليومية حيث تتيح هذه المنصات شراء السلع في اي وقت دون الحاجة للادخار المسبق الذي بات مستحيلا في ظل تقلبات الاسعار. واكدت بعض الاسر انها اصبحت تعتمد على هذه الوسائل لتلبية متطلبات البيت الضرورية بعد ان عجزت الرواتب عن ملاحقة تكاليف المعيشة المتصاعدة.
واضاف المحللون ان هذا النمو في قطاع التمويل الاستهلاكي يحمل في طياته وجهين متناقضين فهو من جهة يدعم حركة السوق والاستهلاك ولكنه من جهة اخرى يعد مؤشرا خطيرا على تآكل القوة الشرائية الحقيقية للدخل. وشددوا على ان اعتماد المواطنين على الدين لتوفير الغذاء والاحتياجات الاساسية هو دليل ملموس على الازمات الاقتصادية التي تعاني منها الطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل.
واظهرت التقديرات الاقتصادية ان هذا النوع من التمويل يساهم في تضخيم ارقام النمو الاقتصادي بشكل وهمي لان هذا النمو قائم بالاساس على الديون وليس على زيادة الانتاج او تحسن مستوى المعيشة الفعلي. وبينت التقارير ان التضخم لا يزال يلقي بظلاله الثقيلة على الاسواق مما يضطر المواطنين للاستمرار في دوامة الاقتراض لتغطية العجز في ميزانياتهم الشهرية.
مخاطر التخلف عن السداد وتهديد السلم المجتمعي
وكشفت حالات فردية عن لجوء بعض الاشخاص الى حيل مالية محفوفة بالمخاطر للحصول على السيولة النقدية من خلال شراء اجهزة بالتقسيط وبيعها بخسارة فورية لتوفير نفقات السفر او سداد ديون اخرى. واكد الخبراء ان هذه الممارسات تعد من اخطر تداعيات التمويل الاستهلاكي حيث تزيد من اعباء الديون على الاسر وتدفعها نحو التعثر المالي الذي قد يصل الى حد الملاحقات القانونية.
واضاف المراقبون ان هناك مخاوف حقيقية من ان يؤدي تفاقم ازمة الديون الاستهلاكية الى تهديد السلم المجتمعي خاصة مع تزايد شكاوى المواطنين من ممارسات تحصيل الاموال التي تتسم احيانا بالترهيب والضغط النفسي. واوضحوا ان استمرار هذه الضغوط الاقتصادية يجعل من مخاطر عدم السداد امرا واردا بقوة مما يضع الشركات والمقترضين في مواجهة مباشرة قد تنتهي بازمات اجتماعية وقانونية واسعة النطاق.
واكدت الجهات الرقابية ضرورة الحذر من التوسع غير المدروس في هذه القروض التي تستهدف السلع الاستهلاكية السريعة. وبينت ان التحدي الاكبر يكمن في كيفية الموازنة بين الحاجة الى تنشيط السوق وبين حماية المواطن من الانزلاق في فخ الديون الذي قد لا يجد منه مخرجا في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
