تسيطر حالة من القلق العميق على سكان القرى المسيحية الحدودية في جنوب لبنان، وتحديدا بلدات رميش ودبل وعين ابل، مع تزايد المخاوف من ان يؤدي انتهاء مهام قوات الامم المتحدة المؤقتة اليونيفيل الى عزل هذه المناطق بشكل كامل عن محيطها الحيوي. وتعتبر هذه القوات الدولية الشريان الوحيد الذي ينسق حركة القوافل المدنية بين القرى والمدن اللبنانية الكبرى وسط قيود امنية مشددة تفرضها الظروف الميدانية الراهنة.
واوضحت مصادر محلية ان الاهالي لا يخشون فقط من انقطاع سبل التنقل الامن، بل يواجهون تحديا معيشيا يتمثل في فقدان مئات العائلات لمصادر رزقها الاساسية المرتبطة بشكل مباشر بوجود القوات الدولية. واكد السكان ان الغموض الذي يلف مرحلة ما بعد رحيل القوات يضع مستقبل استمرارهم في قراهم على المحك، خاصة في ظل غياب بدائل واضحة تضمن تأمين حركة الدخول والخروج.
وبين شربل لوقا، وهو احد ابناء بلدة دبل، ان اليونيفيل تلعب دورا محوريا في تنظيم قوافل العبور بالتعاون مع البلديات، حيث تضم القافلة الواحدة نحو ثلاثين سيارة. واضاف ان حالة من التوجس تسود بين الاهالي من غياب الجهة التي ستتولى هذه المسؤولية الحساسة مستقبلا، مشيرا الى ان خسارة الوظائف المرتبطة بالوجود الاممي ستنعكس سلبا على الاستقرار المادي للعائلات التي تعتمد على هذه المداخيل.
مخاوف معيشية وخدماتية في القرى الحدودية
واكد رئيس بلدية عين ابل، ايوب خريش، ان رحيل القوات الدولية قد يتحول الى كارثة حقيقية على الصعيد الاقتصادي، موضحا ان نسبة كبيرة من ابناء البلدة يعملون لديها بشكل مباشر. وشدد خريش على ان حركة التنقل التي تتم حاليا عبر تنسيق دقيق مع الجيش اللبناني والقوات الدولية قد تتوقف تماما، متسائلا عن المصير المجهول الذي ينتظر العائلات الصامدة في ارضها.
واضاف خريش ان الدولة اللبنانية مطالبة اليوم اكثر من اي وقت مضى بالنظر الى معاناة هؤلاء المواطنين الذين يتمسكون بهويتهم الوطنية رغم الظروف الصعبة. واوضح ان التلويح بوجود قوة بديلة غير اممية لا يزال في اطار الاحاديث غير المؤكدة، مما يزيد من حدة القلق لدى الاهالي الذين يشعرون انهم متروكون لمواجهة مصيرهم بمفردهم.
وكشف ميلاد العلم، الرئيس السابق لبلدية رميش، ان اكثر من ثمانين عائلة في البلدة تعتمد كليا على رواتب ثابتة من اليونيفيل، مبينا ان معظم هؤلاء الموظفين لم يصلوا بعد الى سن التقاعد القانوني مما يجعلهم مهددين بفقدان حقوقهم المالية. واشار الى ان هناك مئات العائلات الاخرى التي تعمل في شركات متعاقدة مع القوات الدولية ستجد نفسها بلا دخل شهري في حال الانسحاب.
تحذيرات من عزل القرى وتكريس الاحتلال
واكد العلم ان رميش ودبل وعين ابل ليست محاصرة في الوقت الحالي، لكن الخشية الحقيقية تكمن في ان يؤدي انسحاب القوات الدولية دون توفير بديل امني الى جعل الاهالي محصورين داخل قراهم. واضاف ان المطالب تتلخص في ضرورة حضور مؤسسات الدولة والجيش اللبناني لتقديم الخدمات الاساسية وضمان العيش تحت سقف القانون في الارض التي يتمسكون بالبقاء فيها.
واوضح النائب ملحم خلف ان غياب اليونيفيل في ظل استمرار الاحتلال يكرس واقعا صعبا ويضعف الدولة اللبنانية، مشددا على ان القرارات الدولية يجب ان تقرأ كحزمة واحدة لا تتجزأ. وبين خلف ان تسليم المواقع للجيش اللبناني يتطلب ظروفا امنية وسياسية غير متوفرة حاليا، مما يطرح اشكالية حقيقية حول كيفية حماية المدنيين في المناطق الحدودية.
واضاف خلف ان الامم المتحدة تتحمل مسؤولية قانونية واخلاقية بموجب ميثاقها لحماية المدنيين وصون السلم، مشيرا الى ان غياب القوة الدولية سيؤدي الى دفع الاهالي نحو خيارات اضطرارية. واختتم بالتأكيد على ان المسألة تتجاوز الانسحاب العسكري لتصل الى تهديد السيادة الوطنية وترك الاهالي في مواجهة المخاطر دون غطاء دولي او حماية رسمية فاعلة.
