يجد الاف الفلسطينيين في قطاع غزة انفسهم امام واقع مرير يفرض عليهم تحديات جسدية ونفسية قاسية بعد ان تسببت الحرب المستمرة في بتر اطرافهم وفقدان قدرتهم على ممارسة حياتهم اليومية بشكل طبيعي. ويبرز الطفل راكان السايس كنموذج لالاف الاطفال الذين تغيرت ملامح حياتهم بعد اصابته التي افقدته ساقه وعينه مما جعله في امس الحاجة لتدخل طبي عاجل يعيد له الامل في الحركة واللعب كبقية اقرانه. وتكشف المعطيات الميدانية ان معاناة هؤلاء المصابين تتفاقم بشكل مضاعف نتيجة الحصار المطبق الذي تفرضه قوات الاحتلال والذي حال دون وصول المستلزمات الطبية والاطراف الصناعية الضرورية للاف الحالات المسجلة.
واوضحت التقارير الطبية ان مستشفى الاطراف الصناعية في غزة يعاني من انهيار في قدراته التشغيلية نتيجة النقص الحاد في المواد الخام والمكونات الاساسية اللازمة لتصنيع البدائل الحركية. واضاف مدير الاعلام في المستشفى حسني مهنا ان قاعدة البيانات الوطنية سجلت اكثر من الفين وستمائة حالة بتر حتى الان ضمن منظومة صحتي التابعة لوزارة الصحة الفلسطينية وبالتعاون مع اللجنة الدولية للصليب الاحمر. وبين ان الاطفال يشكلون نسبة تتجاوز العشرين بالمئة من اجمالي هذه الاصابات الخطيرة التي تتطلب رعاية خاصة واطرافا قابلة للتعديل والنمو مع اجسادهم.
واكد الفنيون العاملون في ورش التصنيع انهم يضطرون للجوء الى حلول بدائية واعادة تدوير مواد مثل الجبس لسد الفجوة الكبيرة في الامدادات الطبية التي تمنع سلطات الاحتلال دخولها عبر المعابر. واشار المختصون الى ان هذه الممارسات تأتي في ظل محاولات يائسة لتقديم الحد الادنى من المساعدة للمصابين الذين ينتظرون طويلا للحصول على طرف صناعي يمنحهم فرصة للعودة الى ممارسة حياتهم. وشدد الاختصاصي فارس صالحة على ان القيود الاسرائيلية تفرض واقعا لا انسانيا حيث يعجز الاطباء عن تلبية الاحتياجات المتزايدة للمصابين الذين يواجهون مخاطر صحية مضاعفة بسبب غياب مستلزمات التعقيم والادوات الجراحية.
ازمة انسانية تتجاوز حدود الجسد
وبينت الاحصائيات الاممية ان وتيرة عمليات البتر ارتفعت بشكل مقلق منذ اكتوبر الماضي نتيجة القصف العنيف الذي دمر البنية التحتية الصحية في القطاع. واوضحت التقارير ان الاطباء وجدوا انفسهم مضطرين لاجراء عمليات بتر واسعة النطاق لانقاذ حياة الجرحى في ظل نقص حاد في الامكانيات الطبية والادوية الاساسية. واكدت المصادر ان هذه الفئة من الجرحى لا تحتاج فقط الى اطراف صناعية بل الى منظومة دعم نفسي وتأهيلي متكاملة باتت شبه معدومة في ظل الحصار.
وكشفت المتابعات الميدانية ان مراكز التأهيل المحدودة في غزة تصارع العجز المادي واللوجستي في وقت تتزايد فيه اعداد الحالات التي تحتاج الى السفر للخارج لتلقي العلاج التخصصي. واضاف المراقبون ان فتح المعابر يمثل المطلب الاكثر الحاحا لانقاذ حياة المئات من الحالات الحرجة التي لا يمكن تأهيلها محليا بسبب غياب المواد الخام والمعدات التقنية. وخلصت التقارير الى ان استمرار الوضع الراهن يعني حكما بالبقاء في العجز الدائم للاف الفلسطينيين الذين فقدوا اطرافهم في حرب لا ترحم براءتهم ولا احتياجاتهم الانسانية.
