علينا أن نكون واضحين، عميقين، وصريحين في الطرح، وأن نميّز بين الدين بوصفه منظومة إيمانية وأخلاقية، وبين الإرهاب بوصفه نهجًا إجراميًا يقوم على العنف والتكفير وإقصاء الآخر.
إن الديانات السماوية، في جوهر رسالاتها، تدعو إلى المحبة والسلام والتسامح وصون كرامة الإنسان. ولا يجوز تحميل أي ديانة مسؤولية جرائم يرتكبها أفراد أو جماعات توظّف النصوص والمعتقدات لتبرير العنف والإرهاب. وعندما يحاول البعض تصوير أيٍّ من الديانات السماوية وكأنها حاضنة للتطرف والإرهاب والفكر التكفيري، فإننا نكون أمام خطاب خطير يستوجب التوقف عنده، وتحليل دوافعه وآثاره، بعيدًا عن التعميم والاتهامات غير المسؤولة.
لقد عايشت هذه المسألة من قلب أوروبا، وأدركت خطورة محاولات الربط بين الارهاب والدين . وأجزم أنني كنت من أشرس المدافعين عن ضرورة الفصل بين الدين والإرهاب، لا من باب المجاملة أو الدفاع العاطفي، وإنما انطلاقًا من قناعة راسخة بأن الخلط بين الدين والجريمة يخدم خطاب الكراهية، ويغذّي الانقسام، وقد يفتح الأبواب أمام الفتن والصراعات داخل المجتمعات.
وقد أكدت في مختلف المحافل أنني لن أقبل بربط الإرهاب بالدين ، فالديانات السماوية، تدعو إلى الرحمة والتسامح، كما جاءت رسالات الأنبياء والمرسلين بقيم الهداية والخير. ومن هنا، فإن مواجهة الإرهاب لا تكون بتشويه الأديان، بل بتجفيف منابع التطرف، ومحاسبة مرتكبيه، ومواجهة الفكر الذي يبرّر العنف باسم العقيدة.
إن المجتمع الواعي هو الذي يرفض خلط الأوراق، ولا يسمح بتحويل القضايا الفكرية والدينية إلى أدوات لإثارة الاحتقان بين أبناء الوطن الواحد. فالأردنيون، بمسلميهم ومسيحييهم، شركاء في الوطن والهوية والمصير، وأي خطاب يهدد هذه الشراكة أو يزرع الشك بين مكوّناتها يستوجب نقاشًا مسؤولًا وعميقًا.
ومن هنا، أؤكد أن التطرف ليس مرادفًا للدين، والإرهاب ليس نتاجًا حتميًا لأي عقيدة؛ بل إنهما يرتبطان بأفكار ومناهج وسلوكيات منحرفة توظّف المعتقد لتبرير العنف وإلغاء الآخر. ومن الخطأ اختزال هذه الظاهرة المعقدة في تفسير ديني واحد، كما أن من الخطأ إعفاء أي خطاب متطرف من المساءلة لمجرد أنه يتستر خلف شعارات دينية أو فكرية.
وبصفتي رجلًا أردنيًا محافظًا، أؤمن بأن عمق الطرح السياسي والفكري يتطلب قراءة ما وراء الظواهر، وفهم المفاصل التي قد تغيب عن النقاش العام. ولهذا طرحت ملف المناهج الأكاديمية والتربوية، لا باعتباره قضية آنية أو ردّ فعل على حدث عابر، وإنما باعتباره استثمارًا في مستقبل الأجيال الأردنية لعقود قادمة.
إن التربية الأسرية، والمدرسة، والجامعة، والمناهج التعليمية، والإعلام، والمسؤولية المجتمعية، جميعها تشكّل منظومة متكاملة في بناء وعي الإنسان وتحصينه من التطرف، وتعزيز قدرته على التفكير النقدي واحترام الاختلاف والالتزام بالقيم الأخلاقية والإنسانية.
وفي المقابل، فإن أي توجهات فكرية أو اجتماعية، سواء أكانت محافظة أم ليبرالية أم غير ذلك، يجب أن تخضع لنقاش مجتمعي واعٍ، بعيدًا عن الفرض والإقصاء والتخوين. ومن حقي، كما من حق غيري، أن أطرح تساؤلات جادة حول أثر بعض الطروحات الاجتماعية والتربوية على قيم المجتمع الأردني وعاداته وتقاليده، وأن أدعو إلى مراجعتها ونقاشها بمسؤولية، دون أن يتحول الاختلاف الفكري إلى اتهامات أو أحكام مسبقة.
فالمسألة ليست صراعًا بين الدين والحداثة، ولا مواجهة بين المحافظة والانفتاح؛ بل هي نقاش حول كيفية بناء مجتمع يحمي هويته وقيمه، ويحترم كرامة الإنسان وحقوقه، ويمنع في الوقت ذاته استغلال الحرية أو العقيدة لتبرير العنف أو فرض الوصاية على الآخرين.
إن الدين ليس تهمة، والمحافظة ليست تطرفًا، والاختلاف الفكري ليس إرهابًا. وفي المقابل، لا يجوز منح أي فكر أو توجه حصانة من النقد عندما يمسّ كرامة الإنسان أو يبرر العنف أو يقوّض السلم المجتمعي.
إن مسؤوليتنا الوطنية والأخلاقية تفرض علينا أن نكون دقيقين في المصطلحات، عميقين في التحليل، وشجعانًا في مواجهة التطرف بكل أشكاله، دون تعميم أو انتقائية أو توظيف سياسي للدين.
فالأردن الذي نريده هو دولة راسخة الهوية، متماسكة الجبهة الداخلية، تحترم أديان أبنائها، وتصون قيمهم، وتواجه الإرهاب بالقانون والوعي والتربية والمسؤولية الوطنية، لا بإثارة الكراهية أو زرع الشك بين مكوّنات المجتمع.
فالحوار الواعي لا يبدأ بتبادل الاتهامات، بل بالتمييز بين العقيدة التي يؤمن بها الإنسان، والفكر المنحرف الذي قد يتستر بها، والجريمة التي يجب أن يحاسب مرتكبها عليها.
حمى الله الأردن وطنا عزيز امنا مستقرأ ، وحمى الله سيد البلاد واردننا العزيز .
زيد نفاع
