كشفت تقارير اعلامية عن اصدار رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو تعليمات تقضي باخلاء عدد من البؤر الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة، وذلك في خطوة تأتي تحت وطأة ضغوط امريكية متزايدة اعقبت تصاعد وتيرة اعتداءات المستوطنين ضد الفلسطينيين. واوضح مراقبون ان هذا التحرك يثير تساؤلات جوهرية حول حقيقة النوايا الاسرائيلية، خاصة في ظل التمييز بين البؤر غير المرخصة والمستوطنات المعترف بها التي تشهد توسعا مستمرا بدعم حكومي.

واشار خبراء في الشأن الاستيطاني الى ان البؤرة في التصنيف الاسرائيلي هي موقع يقيمه مستوطنون دون موافقة رسمية، لكنها غالبا ما تبدأ بخيام او كرفانات لتتحول لاحقا الى مبان دائمة مرتبطة بشبكات الخدمات والبنية التحتية. واكدوا ان القيمة الفعلية للقرار لا تكمن في عدد المواقع التي قد تزال، بل في مصير البؤر الاخرى التي تواصل الحصول على التمويل والشرعنة في مسار مواز ومستمر.

وبينت مصادر مطلعة ان التعليمات قد تستهدف نحو 100 بؤرة، لا سيما تلك الواقعة في المنطقة ب، الا ان القرار لا يزال يفتقر الى الغطاء الرسمي والجدول الزمني للتنفيذ. واضاف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، في تصريحات له، انه على علم بتلك التوجيهات لكنه ابدى تحفظه على هذا الاجراء، مما يعكس انقساما داخل الائتلاف الحاكم حول التعامل مع ملف الاستيطان في ظل الضغوط الدولية.

ما الذي يشمله امر الاخلاء؟

وذكرت تقارير صحفية ان الاوامر جاءت بعد مرور شهر على هجمات عنيفة نفذها مستوطنون ضد منازل فلسطينية، بما في ذلك اعتداءات طالت مواطنين يحملون الجنسية الامريكية. واوضح محللون ان غياب قائمة معلنة بالمواقع المستهدفة يجعل من الصعب تحديد حجم الاخلاء الفعلي، خاصة مع وجود احصائيات فلسطينية رسمية تشير الى وجود مئات البؤر والمستوطنات المنتشرة في انحاء الضفة الغربية.

واكدت الهيئات المعنية بمقاومة الاستيطان ان التمييز بين البؤرة والمستوطنة هو مجرد تلاعب اداري، حيث تظل جميع هذه الانشطة غير قانونية بموجب القانون الدولي. واضافت ان الحكومة الاسرائيلية تعتمد سياسة "تبادل الادوار"، حيث يتم تفكيك مواقع صورية لامتصاص الغضب الدولي بينما يتم توسيع وتثبيت مواقع اخرى بشكل دائم.

واظهرت بيانات حديثة ان التمدد الاستيطاني اصبح يستهدف مناطق كانت تخضع للادارة المدنية الفلسطينية بموجب اتفاقيات اوسلو، لا سيما المنطقة ب. وشدد تقرير صادر عن مكتب الامم المتحدة لتنسيق الشؤون الانسانية على ان اقامة بؤر جديدة داخل هذه المناطق يؤدي الى عزل القرى الفلسطينية وتقييد حركة السكان بشكل كامل.

التمدد الاستيطاني في المنطقة ب

واضافت التقارير ان السيطرة الاسرائيلية تتجاوز مجرد الوجود الميداني لتصل الى تحويل الاراضي الفلسطينية الى "مناطق نفوذ" استيطانية جديدة. واوضح خبراء ان هذا الاجراء يتيح للمستوطنين شق الطرق ومد شبكات الكهرباء والمياه، مما يحول الوجود المؤقت الى مشروع دائم مدعوم بميزانيات حكومية ضخمة.

وبينت حركة السلام الآن ان وتيرة الاستيطان تسارعت بشكل ملحوظ في الفترة الاخيرة، حيث تم رصد عشرات البؤر الجديدة التي اقيمت في عمق التجمعات الفلسطينية. واكدت ان هذا النهج يهدف الى فرض امر واقع جغرافي يقطع اوصال الضفة الغربية ويجعل من اقامة دولة فلسطينية امرا مستحيلا على ارض الواقع.

واشار مراقبون الى ان الموقف الامريكي لا يزال يتسم بالازدواجية، حيث يدين المسؤولون الامريكيون عنف المستوطنين كافراد، بينما يدافعون عن حق اسرائيل في البناء في المنطقة ج. واضافوا ان هذه التصريحات تمنح غطاء سياسيا لاستمرار المشروع الاستيطاني تحت مسميات قانونية واهية لا تغير من طبيعة الاحتلال شيئا.

حدود الضغط الدولي

واكدت التحليلات ان اختبار جدية نتنياهو لن يكون عبر ازالة بضعة كرفانات، بل من خلال ثلاثة اسئلة مفصلية. واضافت: هل ستنشر الحكومة قائمة دقيقة بالمواقع المستهدفة؟ وهل ستظل هذه المواقع خالية بعد رحيل القوات؟ وهل سيتوقف فعليا مسار تحويل البؤر الى مستوطنات معترف بها؟

واظهرت الوقائع التاريخية ان عمليات الاخلاء السابقة كانت محدودة للغاية مقارنة بعمليات الشرعنة والاعتراف الرسمي. واضافت الهيئات الفلسطينية ان السياسة الاسرائيلية الحالية تعتمد على "ادارة المشهد" بدلا من انهائه، مما يعني ان الضغط الدولي الحالي قد يؤدي الى تهدئة مؤقتة فقط.

وخلص الخبراء الى ان استمرار وتيرة الاعتداءات التي تجاوزت الالاف في شهر واحد يؤكد ان الاستيطان اصبح اداة مركزية في استراتيجية الحكومة الاسرائيلية الحالية. واكدوا ان المستقبل القريب سيشهد المزيد من محاولات فرض السيطرة على الاراضي الفلسطينية ما لم تكن هناك مواقف دولية حازمة تتجاوز لغة الادانة الدبلوماسية.