**(قصة الإنسان)**
**سليم النجار**
مشهد البداية السيرذاتية من المفاصل المركزية التي تحظى بالعناية والرسم الكتابي الدقيق في أكثر من سياق داخل بنية هذا النوع من الكتابة السردية. فقد جاء مشهد البداية سرديًا قصصيًا مكثفًا ورحبًا، يستجيب للعبارة التي بدأ بها الكاتب روايته: «بعد مرور أربع سنوات على زواج مارتا بالسيد يوسف أيوب، أيقنت مارتا بأن حلمها في الأمومة وبأن تنجب طفلًا» (ص 5).
تحيل هذه البداية فورًا إلى مجال القص والحكي والسرد بالمعنى المفتوح، ولا تتخصص إلا حين تُضاف إليها مفردة «مناقضة»، حيث تتجلى كل معاني المعاناة والحنين. وبعد هذا الإخبار القصدي بين المتناقضين، تأتي التكملة العنوانية المؤلفة من أرقام تتماهى مع الشخصية: «قد يكون يوسف أيوب شخصية مناقضة تمامًا، الطفل الذي يعيش في أرض الأحلام والذي تعلّم من الحينات الطيبات» (ص 9).
لتضيف إلى المعنى الاغترابي والحنيني تفصيلًا دلاليًا يصوّر طبيعة الإنسان العاطفي والوجداني، وهو يتجلى سيميائيًا بين حلم الحياة ومعاناة الوجود: «الرقم 111 ليس مجرد عدد، بل هو ثلاثة آحاد تصطف لتشكل بوابة صلبة، الواحد يرمز للبداية، للوجود» (ص 33).
لم تنفتح اللغة السيرذاتية في مشهد النص على خطاب سيرذاتي تقليدي يتقصّد التوضيح المباشر، ويستهدف الإبانة السريعة، كما هو متداول في مثل هذا الخطاب: «الرجل يرى ما وراء الجسد» (ص 39).
وما يلبث الراوي كليّ العلم أن يكشف عن راوٍ سيرذاتي جمعي، يتوغل على نحو أعمق في إحالات الفضاء السردي الصوفي، بما يتيسّر له من أدوات لسانية وتعبيرية ومفهومية: «أفكر بالأمس في المكان.. حي درب التبانة، البناية رقم 66، الطابق 6. الأرقام هنا تتابع بدقة غريبة» (ص 57–58).
لا شك في أن عرض التشكيل السردي السيرذاتي بهذه الطريقة ينفتح على آلية التصوير للمشهد الروائي المكثف والمركب: «كان ضباب الصبح يتلاشى ليترك الشوارع تحت إضاءة بيضاء باهتة لا ترحم» (ص 69).
وتتجلى هذه الآلية بين الصورة المستدعاة من الذاكرة ووعي تقديمها للقارئ، بطريقة لا تكتفي بعرض المشهد الروائي، بل تضاعف طاقته الدلالية: «النجار دائمًا يريد وتدًا مطروقًا في الأرض.. أليس كذلك؟» (ص 84).
تنهض الكتابة السيرذاتية النوعية على انتقاء اللقطات السيرذاتية المسترجعة من ذاكرة حيّة: «السبتُ يفرضُ سكونه المبكر على زوايا البيت» (ص 105).
وتبرز هنا طاقة تعبيرية تتجلى في لقطة بالغة التعقيد سرديًا، ضمن المشهد الروائي بشخصياته المركزية: «وفي جزء من الثانية، تحولت الخطوط فجأة إلى فجأة إلى السوداء القائم» (ص 116).
يشكّل السرد السيرذاتي مفتاحًا لما يحمله من قناعات ورؤى وقيم: «تاركًا خيوط الارتياب تلتفُّ حولَ عنق بيتها الدافئ» (ص 144).
رواية «111» لقطة تصويرية لبداية تكوين الإنسان الباحث عن ولادته، والصورة في هذا السياق تتشكل داخل حكاية الوجود، في فضاء الفعل والتدليل، وتوضح صورة النص بطريقة درامية تحظى بالإدهاش على مستوى الرواية.
