كشفت التطورات السياسية الاخيرة في المشرق العربي عن تحديات وجودية تواجه الطائفة الدرزية، حيث اصبحت المختارة في قلب صراع محتدم يتجاوز حدود لبنان ليصل الى عمق الساحة السورية. واظهرت الاحداث ان الزعامة الجنبلاطية تحاول بشتى الطرق الحفاظ على التوازن التاريخي في ظل محاولات اسرائيلية مكثفة لاستغلال الاوضاع في سوريا لفرض واقع جديد يعتمد على سياسة تحالف الاقليات. واكد مراقبون ان وليد جنبلاط يواجه اليوم اصعب اختبار في مسيرته السياسية الطويلة، خاصة مع بروز اصوات تنادي بمسارات مغايرة في السويداء.

جغرافيا الانقسام ومبادئ الوجود

وبينما تعود جذور التواجد الدرزي الى عصور قديمة، ساهمت اتفاقيات ترسيم الحدود في تشتت ابناء الطائفة بين لبنان وسوريا وفلسطين. واوضح محللون ان المبادئ الدرزية المتمثلة في حفظ الاخوان والتمسك بالارض شكلت دائما درعا حاميا للهوية الجماعية رغم التباينات السياسية. واضافوا ان هذه القيم لم تمنع الانقسامات التي فرضها واقع الاحتلال الاسرائيلي، مما جعل التحدي يتركز حول كيفية الحفاظ على هذا النسيج في ظل ضغوط اقليمية هائلة.

الصهيونية ومحاولات التطويع

وكشفت الوثائق التاريخية ان الحركة الصهيونية سعت منذ عقود الى اختراق البيئة الدرزية، محاولة فصلها عن محيطها العربي عبر اغراءات التجنيد والاندماج في مؤسسات الدولة. واشار خبراء الى ان هذه السياسات حققت نجاحات محدودة في فلسطين المحتلة، لكنها اصطدمت دائما بجدار من الرفض في سوريا ولبنان حيث ظل الارث القومي لسلطان باشا الاطرش وكمال جنبلاط يشكل بوصلة للعمل الوطني. وشدد هؤلاء على ان محاولات التهويد السياسي فشلت في طمس الهوية العربية للدروز رغم كل محاولات التغريب.

خريطة الساحات واختبارات القوة

وتبين ان المشروع الاسرائيلي بعد احداث اكتوبر حاول اعادة انتاج نفسه من خلال بوابة السويداء، مستغلا حالة عدم الاستقرار في دمشق. واوضح متابعون ان اسرائيل طرحت مفاهيم الامن الوقائي عبر تقديم نفسها حاميا للدروز، وهو ما قوبل بتحركات مضادة من وليد جنبلاط الذي شدد على مرجعية الشام ورفض مشاريع التقسيم. واكد جنبلاط في لقاءاته ان امن الدروز لا يمكن ان يتحقق الا من خلال الدولة الوطنية وليس عبر الرهان على القوى الخارجية.

الانفجار وما بعده في السويداء

واظهرت التطورات في السويداء ان الانقسام الداخلي وصل الى ذروته، حيث تباينت المواقف بين المرجعيات الروحية والفصائل المحلية حول طبيعة العلاقة مع دمشق. وبدا ان التدخل الاسرائيلي المباشر عبر القصف والتهديدات قد عقد المشهد، مما دفع واشنطن وعمان للتدخل لاحتواء الموقف ومنع انزلاق المنطقة نحو حرب اهلية او انفصال تقوده قوى محلية مدعومة من الخارج. وبينت التحليلات ان دمشق نجحت الى حد ما في الحفاظ على الحد الادنى من السيطرة من خلال تفاهمات امنية محلية.

عوامل الحسم ومصير المختارة

واشار محللون الى ان مستقبل الدروز بات معلقا بين مسارين متناقضين، الاول يتمسك بالعروبة والسيادة، والثاني ينجرف نحو فخ التحالفات الطائفية التي تخدم مصالح اسرائيل. واضافوا ان موقف الولايات المتحدة من مركزية الدولة السورية سيكون العامل الحاسم في منع انهيار الوضع في الجنوب السوري. واختتم الخبراء بالقول ان وليد جنبلاط يدرك جيدا ان معركته اليوم هي معركة بقاء للهوية الوطنية، وان نجاحه في تحصين الساحة الدرزية سيكون درسا ملهما لكل الاقليات في المنطقة.