لم يكن طوفان الاقصى مجرد عملية عسكرية هزت اركان الاحتلال بل كان زلزالا اعلاميا وضع فلسطين في صدارة الاهتمام العالمي لفترة طويلة. وبينما يتساءل الكثيرون عن سر التراجع الملحوظ في وتيرة التغطية الاعلامية لاوضاع القطاع المنكوب يظهر ان المشهد اصبح اكثر تعقيدا مع دخول ملفات دولية جديدة على الخط واهمها الحرب الامريكية الاسرائيلية الايرانية التي خطفت الاضواء مؤخرا.

واظهرت المتابعات ان غزة التي كانت تتصدر نشرات الاخبار والمدونات الرقمية على مدار الساعة بدات تتوارى خلف عناوين اخرى اكثر سخونة. واضاف الخبراء ان هذا التراجع ليس بالضرورة انعكاسا لانتهاء الماساة بل هو نتيجة تفاعل عوامل نفسية وتقنية واعلامية جعلت من القضية الفلسطينية ملفا يواجه تحديات الوصول الى الجمهور في ظل زحام الاحداث العالمية.

وبينت التحليلات ان حصة فلسطين من التغطية الاعلامية شهدت انخفاضا ملموسا خلال العام الحالي مقارنة بذروة الاحداث في العام الماضي. واكد المراقبون ان الاعلام الذي يلهث دائما خلف الجديد والمثير وجد نفسه امام تحدي التكرار في سرد الماسي وهو ما دفع بالجمهور نحو حالة من الارهاق الاخباري الذي يميل فيه المتابع لتجنب المحتوى القاسي بحثا عن نوع من الهروب النفسي.

تحولات في خارطة الاهتمام

وكشفت الدراسات التي اجرتها وحدات الرصد المفتوح ان هناك تراجعا في حصة الاخبار المتعلقة بفلسطين بنسبة تجاوزت خمسين بالمئة في بعض المنصات الاعلامية. واوضح الباحثون ان مؤشرات البحث العالمي عبر جوجل تريند تؤكد هذا المسار حيث يميل الجمهور للبحث عن فلسطين فقط عند وقوع احداث كبرى او صدمات قوية بينما ينخفض الاهتمام في الفترات التي تليها.

واشار المختصون الى ان الانسداد السياسي وتشرذم المواقف الفلسطينية الداخلية قلل من جاذبية الملف للمتابعة المستمرة لدى شريحة واسعة من الجمهور. واضافوا ان غياب الرواية المتجددة التي كانت تقدمها المقاومة في بدايات الحرب ساهم ايضا في دفع المتابع للبحث عن بدائل اخرى في ظل استمرار الحرب في السودان واوكرانيا وتداعيات التحولات السياسية في واشنطن.

واكد الخبراء ان الهندسة الخوارزمية التي تتبعها منصات التواصل الاجتماعي الكبرى تلعب دورا خفيا في تقييد وصول المحتوى الفلسطيني. وشددوا على ان المستخدم بات يواجه قيودا تقنية تمنعه من الوصول الى ما يرغب في متابعته مما يفسر جزئيا انخفاض التفاعل الرقمي مع ما يجري في غزة والضفة الغربية.

الجانب الانساني في مواجهة الارقام

وكشفت التجارب الاعلامية ان التركيز على الاحصائيات والارقام الجافة لم يعد كافيا لجذب انتباه القارئ في ظل طوفان المعلومات اليومي. واوضح الصحفيون ان القصص الانسانية الفردية مثل قصة هند رجب كان لها صدى اوسع بكثير من التقارير الاحصائية لانها تخاطب العاطفة وتجعل المتابع يشعر بانه امام شخص حقيقي وليس مجرد رقم في سجل الشهداء.

واضاف المحللون ان الاعلام الغربي على وجه الخصوص واصل نهجه المتحيز عبر تعزيز السردية الاسرائيلية وتجاهل الابعاد الانسانية للماساة الفلسطينية. وبينوا ان هذا الاعلام لا يتردد في اعتبار عودة اللاجئين تهديدا بينما يراها في سياقات اخرى واجبا اخلاقيا وهو ما يعكس ازدواجية المعايير التي تساهم في تراجع الاهتمام بالقضية لدى المجتمع الاوروبي.

واشار المراقبون الى ان الحل يكمن في ابتكار زوايا صحفية جديدة تربط معاناة الفلسطينيين بحياة القارئ اليومية ومصالحه. واكدوا ان التحدي الحقيقي امام المؤسسات الاعلامية اليوم هو الخروج من نمطية الخبر المتكرر الى فضاءات اكثر عمقا وتحليلا لتفسير ما يجري بعيدا عن لغة الارقام الصماء.

خاتمة المشهد

وتشير المعطيات الى ان غزة لا تزال تعيش تحت وطاة الاحتلال والحصار وان الازمة لم تنته بوقف اطلاق النار الهش. واوضح المتابعون ان تراجع الاهتمام الاعلامي هو ازمة في كيفية تقديم القضية لا ازمة في القضية ذاتها. واختتموا بان الصحافة الحرة تظل مطالبة بالبحث عن الحقيقة في تفاصيل حياة الناس وليس في عناوين الاخبار العابرة.