ولدت الطفلة بيسان وسط ظروف قاسية فرضتها الغارات الجوية التي طالت منزل عائلتها في بيت لاهيا شمال قطاع غزة، حيث فقدت شقيقتها في اللحظات الأولى بينما أصيبت والدتها بجروح بليغة استدعت تدخلا جراحيا عاجلا لإنقاذ الجنين قبل موعد ولادتها الطبيعي بأسابيع. واضطرت الطواقم الطبية إلى وضع الرضيعة في حاضنة خاصة نظرا لحالتها الصحية الحرجة، قبل أن يتم إجلاؤها ضمن مجموعة تضم 29 طفلا من الخدج نحو المستشفيات المصرية مع اقتراب القوات العسكرية من محيط المشفى.
وكشفت التقارير الميدانية أن رحلة العلاج في الخارج لم تكن سهلة، حيث فارق الحياة سبعة من هؤلاء الرضع بينما صمدت بيسان لتبدأ رحلة تعافي طويلة بعيدا عن أحضان والدتها سندس الكرد. وأظهرت الأم إصرارا كبيرا على البقاء على تواصل مع طفلتها عبر مكالمات الفيديو المتاحة، مع تمسكها بالأمل في لحظة اللقاء التي تأجلت طويلا بسبب ظروف الحرب والحصار.
وتمكنت بيسان أخيرا من العودة إلى غزة بمساعدة جهود دولية في شهر مارس الماضي، لتلتقي بوالدتها التي كانت تنتظر هذه اللحظة بفارغ الصبر. وأوضحت سندس أن الصدمة كانت حاضرة في اللقاء الأول، حيث لم تتعرف الطفلة على والدتها بسبب طول فترة الانفصال، وبدأت تنادي بكلمة ماما لأي امرأة تصادفها في محاولة منها للبحث عن الأمان المفقود.
التكيف مع واقع الحرب المرير
وبينت الأم أن العودة إلى قطاع غزة لم تكن عودة إلى حياة طبيعية، بل كانت انتقالا إلى واقع يعج بأصوات الانفجارات والغارات المستمرة. وأكدت أن بيسان أصبحت تعاني من نوبات ذعر واضحة عند سماع أي صوت مرتفع، مشيرة إلى أن طفلتها تغيرت كثيرا عما كانت عليه في مصر، حيث باتت حياتها اليومية محفورة بذكريات القصف والخوف.
وأضافت الأم أنها تحاول جاهدة تعويض طفلتها عن سنوات الحرمان العاطفي من خلال اصطحابها إلى أماكن ترفيهية بسيطة، مثل حديقة الحيوان في النصيرات، في محاولة لرسم البسمة على وجهها. وأشارت إلى أن بيسان التي ترتدي نظارة طبية باتت تظهر اهتماما بالعالم الخارجي رغم ما تعانيه من صدمات نفسية ترافقها منذ عودتها إلى أرض الوطن.
وشددت سندس على أن العلاقة بينهما في طور البناء مجددا، موضحة أن بيسان بدأت تدرك تدريجيا من هي أمها الحقيقية من خلال الاعتماد الكلي عليها في تلبية احتياجاتها اليومية. وبينت أن الليل يظل الوقت الأصعب، حيث تهرع الطفلة إلى حضن والدتها كلما اشتدت وتيرة القصف في محيط سكنهما، مما يجعلهما أكثر تماسكا في مواجهة الظروف القاسية.
تحديات الفقد والبحث عن التواصل
وكشفت قصص أخرى ضمن مجموعة الأطفال الخدج عن مآسٍ إنسانية عميقة، حيث لم يتمكن بعضهم من العودة إلى أحضان أمهاتهم. وأظهرت حالة الطفل إبراهيم مدى قسوة الواقع، إذ توفيت والدته إسراء بدر إثر نوبة اكتئاب حاد بعد إجلائه، مما ترك والده جبري بدر في مواجهة وحيدة مع طفله الذي لا يزال يجد صعوبة في التواصل معه أو الاستجابة لنداءاته.
وأشار خبراء الصحة النفسية إلى أن هؤلاء الأطفال، ومن بينهم بيسان وإبراهيم، تعرضوا لحرمان مزدوج تمثل في نقص الرعاية الصحية المباشرة والافتقار إلى التطور العاطفي الذي يوفره العناق الأمومي. وأكدوا أن إعادة بناء الروابط الأسرية تحتاج إلى وقت طويل وجهد مكثف لتجاوز آثار الصدمة التي خلفتها الحرب على هؤلاء الصغار.
وأوضحت سندس في ختام حديثها أنها الشخص الوحيد المتبقي في حياة بيسان، حيث تقوم بكل تفاصيل حياتها من إطعام وتمشيط شعر ولعب. ورغم كل المعاناة، تظل لحظات المشي على شاطئ غزة والتقاط الصور التذكارية دليلا على تمسك الأم وابنتها بالحياة، وسط آمال بأن ينتهي هذا الكابوس وتستعيد الطفلة طفولتها المسلوبة في أمان.
