مهنا نافع
صدمت قبل مدة وأنا أستمع لأحد أحفادي وهو يراجع جداول الضرب، وذلك لأنني لم أعد أصل لإجابة الكثير منها بتلك السرعة التي كنت أمتلكها، وكذلك بعد مدة وجيزة صدمت أكثر عندما لاحظت سوء خطي عند الكتابة بالقلم مما اقتضى مني العودة للجلوس على الكرسي أمام مكتبي والبدء بالكتابة على الورقة كمحاولة لاستعادة مهاراتي السابقة، ولكن لا أخفيكم ما عانيته من آلام عضلية بسبب الانقطاع منذ مدة طويلة عن ذلك، وربما كان بسبب التقدم بالعمر أو عافاكم الله هو أحد الأعراض الجانبية لدوائي الجديد، المهم عدت بخنوع لتلك الآلة الملاصقة لكف يدي.
منذ سنوات ونحن نكتب عن الذكاء الاصطناعي، وأنه سيهيمن على العديد من مفاصل حياتنا اليومية، وغير ذلك من الشؤون التعليمية والوظيفية، البعض كان يظن أننا كنا نبالغ، وأن الأمر الذي يتعلق بالذكاء الاصطناعي لا يتجاوز أكثر من قدرات للبحث والتحليل بالبيانات التي سبق وكانت من مدخلاته، وأن (تعلم الآلة) يعتمد بكفاءته كليا على الجهد البشري، فكلما زادت وتنوعت المدخلات ارتفعت قدراتها لتحليل البيانات، ومن ثم الوصول السريع للمعلومة المطلوبة، وغير ذلك من مهام أبهرتنا بالبداية رغم أنها بالأصل من زبدة المعرفة الإنسانية والآلة ليست أكثر من محتوى لها وكما سبق وما زال يتم من خلالنا العمل على تلقيمها، وأقرب دليل على ذلك كان قدرة الكثير من الأشخاص على التمييز بين ما تقدمه الآلة التي تم تلقيمها، وبين ما يقدمه الإنسان من شؤون مختلفة، ومن الأمثلة المهمة على ذلك قدرة الأساتذة بالجامعات والمدارس على اكتشاف أن ما قدمه طلبتهم من أبحاث كلفوا بها كان من خلال استيعابهم وقدراتهم جهودهم أم أنهم لجؤوا بسهولة لأحد القوالب الجاهزة الموجودة بمحتويات الذكاء الاصطناعي، وبذلك يكونون قد حرموا أنفسهم من الهدف الأسمى لتلك المهام، وهو تنمية مهاراتهم وقدراتهم لاكتساب المنهج العلمي السليم للتفكير.
حسن عزيزي القارئ هل انتهى الأمر عند نهاية الفقرة السابقة؟ بالطبع لا، فبعد تقدم صناعة الشبكات العصبية الاصطناعية المستوحى عملها من عمل الدماغ البشري نشأ (التعليم العميق) وهو بمكانة الابن الأكبر (لتعلم الآلة) والحفيد الأول (للذكاء الاصطناعي) وهو يحتاج لمتطلبات تقنية بتكاليف مرتفعه، ويجب أن نعلم أن كل تعليم عميق حسب ما اصطلح بتسميته هو تعليم للآلة، ولكن العكس ليس صحيحا بأن يعد كل تعليم للآلة هو تعليم عميق، وهو بمكانة التعليم الذاتي، ويحتاج بجانب الإمكانات التقنية لكم هائلا من قواعد البيانات، ولا يوجد أي وجه مقاربة بينه وبين بيانات (تعلم الآلة) وعلى سبيل المثال تتوسع مهامه وقدراته لإتقان القيادة الذاتية والتعرف على الوجوه والأنماط واختلافاتها والقدرة على اكتشاف المخاطر والعمليات الاحتيالية أو أي نمط شاذ مهمها كبر أو صغر، وكذلك يقدم طرقا قريبة من طرقنا الطبيعية بالمحاورة سواء بالكتابة، أو بالصوت، ويدخل بين الحقائق الجمل التي تعتمد على الذكاء العاطفي والمجاملات العامة لترغيبك للاعتماد كليا عليه بكل اهتماماتك.
ويستمر هذا القطار السريع متجاوزا كل التوقعات ليقدم لنا بعد (التعليم العميق) هذا الحفيد الجديد (التعليم العميق التوليدي) وها هو يبهرنا كما كانت تبهرنا بدايات (تعلم الآلة) منذ بضع سنوات، وأصبحت اليوم أمرا عاديا، وما يقلق الكثير من المهتمين بشأنه، ويضعهم بمنتهى الحيرة قدراته على أن يقدم لنا شيئا جديدا لم يسبق أن عرفته التجربة البشرية، أي أنه سيبدع وسيخترع، ومن ثم سيبتكر لتحويل فكرته إلى واقع، وهذا ما أدى لتحفظ الكثير لقبوله، وذلك بسبب المخاوف من أننا سنعتمد عليه بكل شيء، مما سيؤدي لتراجع القدرات والمهارات البشرية تدريجيا، ومما سيخل برباعية (العمل والتفكير والإبداع والابتكار) فلديه إمكانات لتقديم نصوص ببحوث لم يسبق لأحد كتبها، وكذلك أصواتا وصورا جديدة، وحتى أن قدراته ستصل لاختراع أدوية ايضا جديدة أي لم نعرفها من قبل، فهل سيترك هذا الحبل على الغارب أم لا مناص من تفعيل القوانين الدولية لضبته وحوكمته بما يتناسب مع المصالح الإنسانية؟ وما قدمته لك عزيزي القارئ بالفقرة الأولى كان نموذجا بسيطا عن بدايات ما آلت أليه بعض المهارات التي كنا قد اكتسبناها وما زلنا نتجنب الاعتراف بتراجعها.
مهنا نافع
