تشهد البنوك المركزية الكبرى حول العالم حالة من التباين الواضح في مساراتها النقدية، حيث تتأرجح قراراتها بين الاستمرار في دورة التشديد النقدي أو التوقف المؤقت لتقييم المشهد الاقتصادي الملبد بالغيوم. وتجد المؤسسات المالية نفسها في مواجهة تحديات مركبة، تبدأ من ضغوط التضخم المرتفعة ولا تنتهي عند التداعيات الجيوسياسية للصراعات في الشرق الأوسط التي تلقي بظلالها على أسواق الطاقة والنمو العالمي.
واظهرت التحركات الاخيرة ان بعض البنوك لا تزال في بداية رحلتها لرفع الفائدة لكبح جماح الاسعار، بينما يقترب اخرون من محطة النهاية في ظل مخاوف من تباطؤ النشاط الاقتصادي. واكد صناع السياسات النقدية ان قراراتهم القادمة ستظل رهنا بالبيانات الاقتصادية الواردة، مع الحفاظ على مرونة كافية للتعامل مع اي تقلبات مفاجئة قد تطرأ على المشهد الدولي.
وبينت المعطيات الحالية ان حالة عدم اليقين تسيطر على توقعات الاسواق، مما يجعل من الصعب التنبؤ بمسار الفائدة بشكل قاطع، خاصة مع تباين ردود افعال البنوك المركزية في مجموعة الدول العشر المتقدمة التي توازن بدقة بين السيطرة على التضخم وحماية النمو من الانزلاق نحو الركود.
مسارات متفاوتة بين التشدد والتريث
واحتل بنك الاحتياطي الاسترالي واجهة المشهد بعد رفعه سعر الفائدة الى مستويات قياسية لم تشهدها البلاد منذ سنوات طويلة، رغم ان نبرة البنك بدات تميل نحو الهدوء مما يرجح قرب انتهاء حملة التشديد. واضاف البنك المركزي النرويجي صوتا جديدا لجوقة الحذر، مؤكدا ان المزيد من رفع الفائدة يظل خيارا مطروحا رغم التثبيت الاخير، وذلك في مسعى جدي لاحتواء التضخم المستمر.
وكشف مجلس الاحتياطي الفيدرالي الامريكي عن نهج اكثر تحفظا، حيث فضل الابقاء على اسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه الاخير لتقييم مسار التضخم المرتفع. واوضح الفيدرالي ان استقلالية قراراته تظل خطا احمر في وجه الضغوط السياسية، بينما تترقب الاسواق بحذر اي اشارات جديدة بشان خطوات ديسمبر القادم وسط توقعات باستمرار سياسة التشدد.
واكد بنك انجلترا من جانبه تحولا في سياسته عبر رفع الفائدة لاول مرة منذ فترة طويلة، ملوحا باحتمالية المزيد من الزيادات اذا ما استمرت تداعيات الصراع في الشرق الاوسط في الضغط على مستويات الاسعار المحلية. وشدد البنك على ان التوقعات التضخمية لا تزال تشكل التحدي الاكبر للاقتصاد البريطاني في الفترة المقبلة.
تحديات منطقة اليورو والاسواق الاسيوية
واشار البنك المركزي الاوروبي الى استمرار قلقه من مخاطر التضخم التي بلغت مستويات قياسية، مع مراقبة دقيقة لارتفاع علاوة مخاطر الديون في بعض الدول الاعضاء. واوضح صناع السياسات ان التوازن بين استقرار الاسعار والمالية العامة بات اكثر صعوبة في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تواجه منطقة اليورو.
وكشف بنك كندا عن نهج متدرج في رفع الفائدة، معتبرا ان السياسة النقدية لا تزال بحاجة الى مزيد من التعديلات للوصول الى المستوى المحايد الذي يضمن استقرار الاقتصاد دون تقييد النمو بشكل مفرط. واظهرت بيانات البنك ان الوصول الى التوازن المطلوب هو الهدف الاساسي في الاشهر القادمة.
وبين البنك المركزي الياباني انه حقق هدفه في الوصول الى معدل التضخم المستهدف بعد سنوات من المساعي، مع الاشارة الى استمرار مراقبة الضغوط السعرية التي قد تستدعي قرارات جديدة قريبا. واكدت هذه التحركات ان اليابان بدات فعليا في الخروج من حقبة الفائدة السلبية او الصفرية نحو مسار اكثر طبيعية في السياسة النقدية.
