يواجه لبنان ازمة معيشية خانقة تتجاوز حدود الاقتصاد لتصل الى تهديد مباشر للامن الغذائي لاكثر من مليون مواطن، حيث تسببت العمليات العسكرية الاسرائيلية في شلل شبه تام للقطاع الزراعي الذي يعد ركيزة اساسية في استقرار البلاد. وتوقف نحو 80 بالمئة من المزارعين عن ممارسة اعمالهم نتيجة الدمار الواسع الذي طال مساحات شاسعة من الاراضي الخصبة، مما دفع الخبراء للتحذير من تداعيات كارثية قد تستمر لسنوات طويلة في حال استمرار هذا الوضع.

واكد تقرير اقتصادي ان الخسائر المباشرة في القطاع الزراعي بلغت مستويات قياسية قد تتجاوز المليار ونصف المليار دولار، وهو رقم مرشح للارتفاع مع تفاقم الاوضاع الميدانية. وبين الخبير الاقتصادي زياد ناصر الدين ان لبنان كان يعاني بالفعل من ازمات مركبة قبل الحرب، الا ان التطورات الاخيرة ادت الى انكماش حاد في الناتج المحلي الاجمالي، وسط توقعات دولية بانكماش قطاع الزراعة بنسبة تصل الى 18 بالمئة، مما يضع الدولة امام تحديات وجودية لتوفير الغذاء للسكان.

واشار مراقبون الى ان الجنوب اللبناني، الذي يعد سلة الغذاء الرئيسية، تعرض لضربة قوية حيث كان يساهم بنسبة مهمة من الناتج المحلي ويشغل شريحة واسعة من القوى العاملة. واوضح المحللون ان فقدان هذه المساهمة الاقتصادية يعني فقدان ملايين الدولارات التي كانت ترفد الخزينة العامة، خاصة من محاصيل استراتيجية كالزيتون والحمضيات والتبغ، مما يجعل الاعتماد على الاستيراد الخيار الوحيد المكلف الذي سيرهق ميزانية الدولة المثقلة اصلا بالديون.

تداعيات تدمير التربة والامن الريفي

وكشفت التقارير الميدانية ان استخدام قنابل الفسفور ادى الى اتلاف الاف الهكتارات من الاراضي الزراعية، مما جعل مساحات واسعة غير صالحة للزراعة لسنوات قادمة. واظهرت البيانات ان اكثر من 22 بالمئة من الاراضي الزراعية خرجت عن الخدمة تماما، مما تسبب في نزوح قسري لمئات الاف المزارعين الذين فقدوا مصادر دخلهم الوحيدة، واصبحوا ضمن دائرة الفقر المدقع التي تتسع يوما بعد يوم في ظل غياب الحلول الجذرية.

واضاف الخبير ناصر الدين ان ما يحدث هو تدمير ممنهج للاقتصاد الريفي الذي يعتمد عليه الاف اللبنانيين، حيث تضررت زراعة التبغ بشكل خاص مما كبد الدولة خسائر فادحة في العائدات المالية. وشدد على ان خسائر التربة التي تسببت بها المواد الكيميائية المستخدمة قد تتطلب جهودا جبارة وميزانيات ضخمة لاستصلاحها، مؤكدا ان القطاع الزراعي سيظل الحلقة الاضعف والاكثر تضررا في اي عملية اعمار مستقبلية.

وبينت الاحصائيات الاخيرة ان اكثر من مليون لبناني يعانون حاليا من نقص حاد في الغذاء، مع وجود اعداد كبيرة تعيش تحت خط الفقر المطلق. واوضح الخبراء ان تفاقم هذه الازمة مرتبط بشكل مباشر بوقف الحرب، محذرين من ان الاعتماد الكلي على الاستيراد لتوفير الغذاء سيفاقم من الازمة المالية للدولة، ويجعل الامن الغذائي اللبناني رهينة لتقلبات الاسعار العالمية وتوافر العملة الصعبة.