شهدت العاصمة الالمانية برلين انطلاقة لافتة للدورة السابعة عشرة من مهرجان الفيلم العربي عبر عرض فيلم فلسطين 36 الذي استطاع ان يخطف الانظار كعمل فني يتجاوز السرديات التقليدية. واظهر الفيلم الذي اخرجته آن ماري جاسر قدرة فائقة على استنطاق التاريخ الفلسطيني بعيدا عن القوالب الجامدة حيث تحول العمل الى كائن حي ينبض بتفاصيل الثورة الكبرى التي اندلعت عام 1936.
واكدت المخرجة جاسر ان العمل استغرق ثماني سنوات من التحضير الدقيق الذي شمل بناء قرية كاملة لمحاكاة تلك الحقبة الزمنية بكل تفاصيلها. واوضحت ان الفيلم لا يسعى لتقديم بطل واحد بل يغوص في اعماق فسيفساء بشرية تعيش لحظات تاريخية مفصلية، وهو ما جعل العمل يواجه تحديات وضغوطا وصلت الى حد حملات التشويه ومحاولات المنع في القدس.
وبين فريق العمل ان التصوير استمر رغم الصعوبات الجسيمة التي فرضتها الاحداث المتسارعة بعد اكتوبر، حيث تم التنقل بين الاردن وفلسطين لاستكمال المشاهد. واضاف الفنان كريم عناية ان التجربة كانت تحديا فنيا وتاريخيا يهدف الى كشف ادوار القوى الاستعمارية في المنطقة، مشددا على ان الفيلم يمثل صرخة فنية بوجه الروايات التي تحاول طمس الحقائق.
ابعاد فنية وسياسية في رحلة فلسطين 36
وكشفت مسيرة الفيلم وصوله الى القائمة القصيرة لجوائز الاوسكار مما منحه صوتا اوسع في المحافل الدولية. واشار المراقبون الى ان هذا الانجاز يعد نافذة حقيقية لكسر العزلة عن السردية الفلسطينية، حيث لم يعد المهرجان مجرد منصة عرض بل اصبح مساحة للاشتباك الفكري مع جمهور عالمي يتفاعل للمرة الاولى مع هذه التفاصيل.
واوضحت مديرة المهرجان باسكال فخري ان اختيار الفيلم للافتتاح يحمل دلالة رمزية كون احداث عام 1936 تمثل جذور التحولات التي تشكل واقع المنطقة اليوم. واضاف السفير الفلسطيني ليث عرفة ان العمل يساهم بفاعلية في معركة السردية الكبرى، مؤكدا ان تفكيك الروايات المضللة التي سادت لعقود اصبح ضرورة ملحة.
واظهرت ردود فعل الجمهور في برلين تأثرا عميقا حيث وصفت بعض الحاضرات العمل بانه صدمة معرفية كشفت حقائق لم تكن معلومة للذاكرة الاوروبية. واختتم الفيلم رسالته بان التاريخ ليس مجرد وقائع ميتة بل تجارب حية ترفض الاندثار، مؤكدا ان السينما تظل اقوى سلاح لمواجهة محاولات التزييف والنسيان.
