تتلاشى احلام المرضى والباحثين في غزة عند عتبات معبر رفح الذي تحول الى بوابة للمجهول. يجد الشاب بلال المبحوح نفسه اليوم رهينة لانتظار طويل بعد ان فقد بصره في احدى عينيه جراء اصابة بالغة. كشفت رحلة المبحوح مع الاصابة ان التحويلات الطبية لا تضمن النجاة في ظل اغلاق المنفذ الوحيد للقطاع نحو العالم. واضاف المبحوح انه كان يطمح لاستعادة قدرته على الحركة والعمل لولا ان جعله الانتظار قعيدا لا يقوى على ابسط تفاصيل حياته اليومية.
موتى في قوائم الانتظار
واظهرت البيانات الميدانية ان حالة المبحوح تعكس ماساة الاف المرضى الذين يواجهون الموت البطيء في انتظار دورهم للمغادرة. وبينت تقارير صحية ان هناك اكثر من 21 الف مريض يحملون تحويلات طبية عاجلة لكنهم عالقون داخل جدران القطاع. واكدت المصادر ان مئات الحالات الحرجة فقدت حياتها بالفعل نتيجة تاخر السفر وعدم توفر الرعاية التخصصية اللازمة داخل المراكز الطبية المتهالكة.
واوضحت الاحصائيات ان نسبة من تمكنوا من المغادرة لا تتجاوز 20 بالمئة من الحد الادنى المتفق عليه دوليا. واضافت ان العشرات من مرضى السرطان والحالات الطارئة يواجهون تدهورا مستمرا في وضعهم الصحي مع كل يوم يمر دون فتح المعبر. وشددت على ان الانتظار لم يعد مجرد اجراء تنظيمي بل اصبح حكما بالاعدام على فئات واسعة من السكان.
احلام اكاديمية تتبدد
واظهرت الازمات المتلاحقة ان المعاناة لا تقتصر على المرضى بل تمتد لتطال الطموحات العلمية للشباب والباحثين. وكشف الدكتور مؤيد اسماعيل عن خسارته لفرص دراسية ثمينة بسبب استمرار اغلاق المعبر وحصاره في غزة. واضاف ان مسيرته العلمية كفيزيائي طبي توقفت عند حدود لا يمكنه تجاوزها رغم حصوله على قبول اكاديمي دولي.
واكد الباحث انه تلقى العديد من التحذيرات من الجامعات الخارجية بشان فقدان مقعده الدراسي في حال استمرار غيابه. وبين ان هذا النوع من الاحباط يدفعه للتساؤل حول جدوى التمسك بالاحلام في ظل واقع يفرض تعليقا قسريا لكل مسارات الحياة. واضاف ان الاف الطلبة يعيشون حالة من التخبط بين الرغبة في استكمال تعليمهم والواقع المرير الذي يفرضه اغلاق الحدود.
تمزق الروابط الاسرية
واظهرت قصص العالقين ان التاثير النفسي والاجتماعي لاغلاق المعبر يتجاوز الافراد ليصل الى بنية الاسرة الفلسطينية. واوضح الصحفي عاصم النبيه انه يعيش حالة من الشتات القسري بعد ان فرقت الحرب بينه وبين زوجته واطفاله. واضاف ان شوقه لرؤية ابنائه تحول الى معركة يومية مع الزمن في ظل عجز تام عن اللقاء بهم.
وكشفت الوقائع الميدانية ان التباعد الجغرافي تسبب في حالات انفصال اسري وتفكك اجتماعي غير مسبوق. واكدت ان المعبر لم يعد مجرد نقطة عبور بل اصبح حاجزا يمزق النسيج الاسري ويحول اللقاء الى امنية بعيدة المنال. واضافت ان الكثير من العائلات وجدت نفسها موزعة بين الداخل والخارج دون اي افق زمني لانتهاء هذا الانقسام المكاني.
