لم تمر هزيمة رئيس الوزراء المجري فيكتور اوربان في الانتخابات الاخيرة مرور الكرام داخل الاوساط السياسية في تل ابيب، حيث نظر اليها المراقبون كجرس انذار مبكر يحمل دلالات تتجاوز حدود بودابست لتصل الى عمق المشهد الاسرائيلي. فقد كان اوربان لسنوات طويلة يمثل النموذج الملهم لتيارات اليمين القومي الشعبوي، وشكل حليفا استراتيجيا وثيقا لبنيامين نتنياهو، مما جعل من سقوطه المفاجئ مادة دسمة للنقاش حول امكانية تكرار هذا السيناريو مع رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي يواجه بدوره ازمات ثقة متفاقمة ومحاكمات فساد مستمرة.
واوضحت التحليلات السياسية ان المقارنة بين التجربتين لم تعد مجرد تكهنات، بل اصبحت هاجسا يلاحق معسكر نتنياهو، خاصة مع تزايد وتيرة الحروب المفتوحة والتآكل الداخلي في بنية الائتلاف الحاكم. وبينما يتساءل الشارع الاسرائيلي عما اذا كان نتنياهو سيلقى المصير ذاته، يرى خبراء ان الفارق في التعقيدات الامنية والسياسية داخل اسرائيل يجعل من التنبؤ بالنتائج امرا بالغ الصعوبة والخطورة في آن واحد.
واكدت التقارير ان اهمية هذه المقارنة تكمن في كون اوربان لم يكن مجرد حليف خارجي، بل كان مهندسا لنموذج سياسي يرى في الديمقراطية مجرد اداة للحكم، معتبرا ان حقوق الانسان واستقلال القضاء مجرد قيود تضعها النخب لتعطيل ارادة الشعب. وهذا التوجه هو ذاته الذي سعت حكومة نتنياهو لتطبيقه من خلال مشروع الانقلاب القضائي، الذي هدف الى تقويض صلاحيات المحكمة العليا وتقليص استقلال المؤسسات الرقابية.
نموذج اليمين وتحديات البقاء
وبين الكاتب دان بيري في تحليله ان اوربان نجح في بناء نظام اعلامي موجه يخدم توجهاته، وهو ما جعل اسمه يتردد بقوة في الخطاب الاسرائيلي الداخلي كمرآة لما يحدث من محاولات للسيطرة على مفاصل الدولة. واضاف ان هذا النموذج يعتمد على الدمج بين السلطة السياسية والمحسوبية الاقتصادية، مع تشويه صورة الاعلام المستقل وتصويره كعدو للوطن، وهي استراتيجية تبدو مألوفة جدا في الخطاب التحريضي الذي يمارسه اليمين الاسرائيلي حاليا.
وكشفت المعطيات ان الصدمة الاكبر تمثلت في ان اوربان لم يسقط على يد تيار ليبرالي تقليدي، بل على يد منشق خرج من عباءة حزبه بعد ان سئم الفساد والفوضى، مما يعطي درسا بليغا للمعارضة الاسرائيلية. واظهرت استطلاعات الرأي ان الطريق لاسقاط نتنياهو لا يمر بالضرورة عبر اليسار التقليدي، بل عبر تقديم بديل سياسي قادر على اختراق قواعد الوسط واليمين وتقديم خطاب وطني خالٍ من شبهات الفساد.
واشار مراقبون الى ان حزب بينت برز كلاعب اساسي في هذه المعادلة، حيث استطاع جذب جزء من جمهور الليكود الغاضب، مما يثبت ان الفراغ السياسي يمكن ان يملأه اشخاص من داخل المنظومة نفسها. واكدت صحيفة هآرتس في افتتاحيتها ان الدرس المجري يكمن في وحدة المعارضة وقدرتها على تقديم بديل ايديولوجي وعملي حاسم يمنع الحاكم من التلاعب بالنتائج او الطعن فيها.
مخاوف من الانزلاق للعنف
وبينت التحليلات ان الخوف الحقيقي في تل ابيب ليس فقط من الهزيمة، بل من الطريقة التي قد يتعامل بها نتنياهو مع احتمال خسارة السلطة، خاصة مع وجود قلق وجودي يدفعه لاتخاذ خطوات غير تقليدية. واضافت ان هناك مخاوف من محاولات لتقليص مشاركة الناخبين العرب في الانتخابات المقبلة عبر نزع الشرعية عنهم او خلق توترات ميدانية تهدف لافشال العملية الانتخابية برمتها.
وشدد الكاتب عوزي بارعام على ان نتنياهو قد لا ينظر للانتخابات القادمة كجولة ديمقراطية عادية، بل كمعركة بقاء، وقد يلجأ لكل الوسائل المتاحة لتفادي الهزيمة. واكد ان التاريخ السياسي يثبت ان الاستيلاء على النظام القانوني والسيطرة على اجهزة الامن لا تضمن البقاء الدائم اذا ما توفرت ارادة شعبية حقيقية للتغيير.
واظهرت التطورات داخل الليكود ان الانقسامات وصلت الى مستويات غير مسبوقة، حيث كشفت قضايا التزوير في الانتخابات الداخلية للحزب عن هشاشة الجبهة الداخلية لنتنياهو. واضاف ان استمرار الحروب المفتوحة قد يكون الورقة الاخيرة التي يستخدمها نتنياهو لتأجيل الحسم او تشتيت انتباه الجمهور عن ازماته القضائية والسياسية الخانقة.
موانع التغيير في البيئة الاسرائيلية
واوضح المحللون ان البيئة الاسرائيلية اكثر تعقيدا من نظيرتها المجرية، حيث يمتلك نتنياهو ادوات سيطرة واسعة تمكنه من قلب الطاولة في اللحظات الاخيرة. واضافوا ان تشتت المعارضة الاسرائيلية يظل العائق الاكبر امام تكرار سيناريو بودابست، مما يمنح نتنياهو فرصة للاستمرار رغم تراجع شعبيته.
وبينت النتائج ان التجربة المجرية لا تقدم وصفة سحرية لاسقاط الحكومة، لكنها تكسر اسطورة الزعيم الذي لا يهزم، وتؤكد ان التغيير ممكن حتى في ظل اقسى الظروف. واكد الخبراء ان الرهان الاسرائيلي القادم سيعتمد على مدى قدرة القوى السياسية على تجاوز خلافاتها وتقديم رؤية موحدة تنقذ البلاد من مسار التدهور المؤسسي الذي يفرضه اليمين المتطرف.
وختاما، فان التحدي الذي يواجه اسرائيل ليس مجرد انتخابات عادية، بل اختبار حقيقي لهوية الدولة ومستقبل نظامها الديمقراطي في مواجهة محاولات الهيمنة المطلقة. واضاف المحللون ان المرحلة القادمة ستشهد استقطابا حادا، حيث ستكون صناديق الاقتراع هي الحكم الفصل في تحديد ما اذا كانت اسرائيل ستتبع مسار المجر نحو التغيير ام ستغرق اكثر في ازماتها الداخلية.
