● بقلم الأستاذ الدكتور رشيد عبّاس
كنا نتعامل مع كلمة (أجزاء) بطريقة مريحة آمنة، إلى أن اسفلنا الهمزة واضفنا التاء بعد الجيم لنقع في فخاخ كلمة (إجتزاء).. وذهبت بنا هذه الكلمة إلى المحااااكم والعقوبات السماوية والارضية، حين أمتهن البعض مهنة خسيسة تتمثل في إجتزاء الكلام وإخراج بعضه عن سياقاته التي وضع من أجلها.
وحين يبحث لصوص الكلام المحترفين عن كلمة أو كلمات في نص مكتوب، أو قول ملفوظ يكونوا بذلك قد قتلوا النص أو القول الحقيقي لخلق بيئة حلزونية مضطربة تتصادم ذراتها مع بعضها البعض.
الاجتزاء ظاهرة قديمة جديدة لم تسلم منها حتى النصوص الشرعية عند تأويلها، وهي جريمة مكتملة الاركان بحق المتلقين الذين تتكون لديهم مفاهيم خاطئة تدفعهم لردود أفعال فيها إساءة للآخرين.
إن اقتطاع جزء من نص أو مقولة أو تصريح وأخراجه عن سياقه الأصلي بالضرورة أن يؤدي ذلك إلى تغيير المعنى الحقيقي الذي كان يقصده المتحدث أو الكاتب وذلك لتضليل الرأي العام أو ربما لتبرير مواقف معينة.
أعتقد جازماً أن الهدف الرئيسي من الاجتزاء يكمن في تشويه الحقائق، وتوجيه الرأي العام نحو استنتاجات خاطئة وأختلاق روايات مضللة تخدم اجندات معينة.. فقد يقوم بعض هؤلاء اللصوص بالقص والانتقاء وذلك بأخذ جملة مبتورة من فقرة طويلة، وحذف ما قبلها وما بعدها، أو يقوم آخرون بتأويل خاطيء وذلك من خلال تغيير نبرة الكلام أو تفسيره بغير مقصده الأصلي ليناسب غاية معينة.
لقد ساهمت للأسف الشديد وسائل التواصل الاجتماعي اليوم وأدواتها على سرعة إجتزاء النصوص من سياقاتها وتحريفها وصرفها عن مقصدها الحقيقي لتشويه معاني النصوص ومعانيها.
حتى النصوص الدينية تسللت لها أصابع لصوص الاجتزاء، فقد توقف بعض المجتزئين عند( فويل للمصلين)، وطمسوا أيضاً ما حول(لا تقربوا الصلاة)، وتعدى البعض على الحقل السياسي حين قال بعضهم مجتزءاً نصاً سياسيا (الديمقراطية هي اسوأ نظام)، ثم (الغاية تبرر الوسيلة).. الأمثلة على قرصنة النصوص لا تعد ولا تحصى في هذا الكون الواسع، وفي كل لحظة نشهد اجتزاء ديني واجتزاء سياسي واجتزاء اجتماعي بطرق عديدة ملتوية.. ولن تتوقف قرصنة النصوص ما دام هناك حياة.
يمكن اكتشاف الجمل المجتزاة والتعامل معها وذلك من خلال البحث عن النص الكامل والمصدر الرئيسي، وتقييم وتمحيص تطرّف العبارات المجتزاة وسياقاتها، لما لهذه الظاهرة من آثار اجتماعية قد تطال الأحكام الشرعية أو بعض العقائد الدينية.. فالوقوف عند انصاف الجمل يدعونا إلى أن نعود إلى الآيات والأحاديث كاملةً، وسبب النزول الذي قبلها وبعدها، وهذا ينسحب أيضاً على قرصنة وإجتزاء النصوص السياسية والاجتماعية وغيرها من النصوص.
بقلم الأستاذ الدكتور رشيد عبّاس.
قراصنة إجتزاء الكلام.. إلى متى
