تتنامى حالة من القلق الشديد داخل المؤسسة العسكرية في تل ابيب مع تصاعد حدة التهديدات التي تفرضها مسيرات حزب الله الانقضاضية على الجبهة الشمالية. وتكشف التقارير الميدانية ان هذه الادوات القتالية باتت تشكل تحديا وجوديا لقوات الاحتلال التي تجد صعوبة بالغة في تحييد هذا الخطر المتزايد. واظهرت المعطيات ان لجنة الخارجية والامن في الكنيست تستعد لعقد جلسة طارئة لمناقشة عجز الجيش عن وضع استراتيجية فعالة للتصدي لهذه الهجمات التي تضرب العمق العسكري دون سابق انذار.

واضاف المحللون ان التطور النوعي في استخدام تقنيات الالياف الضوئية في توجيه المسيرات قد قلب موازين القوى الميدانية. واكدت مصادر عسكرية ان انظمة الدفاع التقليدية بما فيها القبة الحديدية بدات تظهر محدودية كبيرة في التعامل مع اهداف صغيرة ومنخفضة البصمة الرادارية. وبينت التقارير ان هذه المسيرات تفرض واقعا جديدا على الارض يجبر الجنود على تغيير تكتيكات الانتشار والابتعاد عن التجمعات المكشوفة لتجنب الاستهداف المباشر.

تداعيات ميدانية

وشددت المعطيات الميدانية على ان المسيرات الانقضاضية تحولت الى السلاح الاكثر فتكا في المواجهات الاخيرة. واكدت تقارير استخباراتية ان الهجمات التي ينفذها حزب الله ادت الى سقوط اعداد من الجنود بين قتيل وجريح في صفوف قوات الاحتلال. واوضحت ان عامل المفاجاة يلعب دورا محوريا حيث تصل المسيرات الى اهدافها قبل ان تتمكن انظمة الانذار المبكر من رصدها او تفعيل اجراءات الاعتراض اللازمة.

واكدت الدوائر العسكرية ان الجيش الاسرائيلي يعاني من خلل واضح في الجاهزية لمواجهة هذا التهديد التكنولوجي. واشارت الى ان التحذيرات السابقة حول فعالية المسيرات الموجهة بالالياف الضوئية لم تؤخذ على محمل الجد الا بعد ان تكبدت القوات خسائر بشرية ومادية ملموسة في الميدان. وبينت ان القيادة العسكرية تحاول حاليا تخصيص ميزانيات ضخمة لتطوير حلول تكنولوجية لكن دون ان تصل الى نتيجة حاسمة حتى الان.

واضاف القادة العسكريون ان هذه الهجمات خلقت ضغطا نفسيا كبيرا على الجنود في الميدان. واوضحت ان انعدام القدرة على التصدي للمسيرات جعل من كل تحرك عسكري مغامرة محفوفة بالمخاطر. وشدد الخبراء على ان هذا النمط من الحروب اللامتماثلة يستنزف الموارد الاسرائيلية بشكل كبير حيث ان كلفة اعتراض مسيرة واحدة تفوق بمراحل كلفة تصنيعها وتشغيلها من قبل الحزب.

خصائص تقنية

وكشفت التحليلات التقنية ان جوهر التفوق في هذه المسيرات يكمن في بساطتها وقدرتها على تجاوز التشويش الالكتروني. واوضحت ان الارتباط المباشر عبر كابل بصري دقيق يمنح المشغل تحكما كاملا بعيدا عن تاثيرات الحرب الالكترونية التي كانت تعتمد عليها اسرائيل سابقا. وبينت ان هذه المسيرات تتميز ببصمة حرارية ورادارية شبه معدومة مما يجعل رصدها بالوسائل التقليدية امرا في غاية الصعوبة.

واكد الخبراء العسكريون ان هذه الادوات مكنت حزب الله من تنفيذ ضربات دقيقة جدا ضد اليات واتصالات الجيش الاسرائيلي. واضافوا ان القدرة على المناورة الدقيقة التي توفرها الكاميرات عالية الدقة تسمح للمشغل باختيار نقاط ضعف في الاليات العسكرية. وبينوا ان هذا التطور يمثل تهديدا استراتيجيا قد يغير قواعد اللعبة في اي مواجهة شاملة مستقبلا.

واوضح العميد اكرم سريوي ان هذه المسيرات التي كانت تستخدم لاغراض ترفيهية تحولت الى سلاح فتاك بفضل التعديلات التقنية البسيطة. واكد ان سهولة تصنيعها وتوفر قطع غيارها يجعل من الصعب على اسرائيل انهاء هذا التهديد بوسائل عسكرية فقط. وشدد على ان الفجوة التكنولوجية التي كانت تتباهى بها تل ابيب بدات تتقلص امام ابتكارات بسيطة وعالية التاثير.

ابعاد استراتيجية

واكد العقيد نضال ابو زيد ان المسيرات السلكية تمثل تحولا نوعيا يفرض معادلة عملياتية جديدة في المنطقة. واوضح ان هذا السلاح يحد بشكل كبير من حرية حركة القوات البرية الاسرائيلية ويجبرها على البقاء في حالة دفاع دائم. وبين ان نجاحات هذه المسيرات في الميدان قد يجعلها عاملا استراتيجيا يؤثر في صناعة القرار السياسي والعسكري.

واضاف الخبراء ان محاولات الاحتلال للتعامل مع هذا الخطر عبر شبكات الحماية والاسلاك المعدنية ليست سوى حلول ترقيعية مؤقتة. واكدوا ان البحث عن منظومة دفاعية متكاملة لا يزال يواجه عقبات تقنية معقدة. وبينوا ان المؤسسة الامنية تدرك ان الحل لا يمكن ان يكون عسكريا فحسب بل يتطلب مقاربات سياسية شاملة لاحتواء هذا التهديد المستمر.

واشار المراقبون الى ان استمرار وتيرة الهجمات بالمسيّرات يعكس تآكل التفوق التكنولوجي التقليدي. واكدوا ان حزب الله نجح في فرض نمط قتالي جديد يستنزف قدرات جيش الاحتلال دون الحاجة الى خوض مواجهات مباشرة واسعة النطاق. وبينوا ان هذا الواقع سيظل يلقي بظلاله على التطورات الميدانية في جنوب لبنان لفترة طويلة قادمة.