تحول باب العامود في مدينة القدس من ساحة نابضة بالحياة تجمع المقدسيين في لقاءاتهم العفوية الى مساحة يغلفها الصمت والترقب بفعل القيود المشددة. فقد دأبت السلطات الاسرائيلية على تنفيذ مخطط منهجي يهدف الى تفريغ هذا المعلم التاريخي من طابعه الاجتماعي وتجريده من حيويته التي طالما شكلت رمزا للصمود الفلسطيني. واصبحت درجات هذا الباب التي كانت يوما ما مسرحا لضحكات الاطفال ونقاشات الكبار خالية الا من الحواجز المعدنية والكاميرات العسكرية التي تراقب كل حركة.

وكشفت شيماء عبد ربه وهي ام مقدسية ان ذكريات الطفولة الجميلة في باب العامود تلاشت لتحل محلها مشاعر الخوف والقلق التي باتت تسيطر على الاجيال الجديدة. واضافت ان المشاهد القاسية للمواجهات والاعتداءات تركت اثرا عميقا في نفوس الاطفال مما دفعها لمحاولة استعادة دفء المكان عبر انشطة بسيطة تعيد الالفة بين طفلها والساحة التي ارتبطت في ذاكرته بالخطر. واكدت ان الهدف من هذه المبادرات هو تعليم الصغار ان الحياة والامل لا يزالان ممكنين رغم الضغوط التي تفرضها ظروف الاحتلال.

وبينت ان تمسك المقدسيين بباب العامود ليس مجرد عادة بل هو فعل مقاومة يومي يهدف الى الحفاظ على الهوية الوطنية في قلب المدينة المحتلة. واوضحت ان استبدال صور الرعب بذكريات ايجابية هو السبيل الوحيد لضمان استمرار ارتباط الاجيال القادمة بمقدساتهم وتاريخهم في ظل محاولات محو الذاكرة الجماعية. وشدد المراقبون على ان هذا الصمود الشعبي يظل الحصن الاخير في مواجهة سياسات التهويد الممنهجة.

مقاومة الخوف في ساحة الذاكرة

واعتبر الناشط المقدسي رمزي العباسي ان باب العامود بمثابة دار العائلة التي تجمع شتات الفلسطينيين وتمنحهم شعورا بالانتماء. واضاف ان التحول نحو عسكرة المكان عبر ابراج المراقبة والكاميرات يعكس رغبة في تحويله الى ثكنة معزولة عن محيطها الاجتماعي والانساني. واكد ان الباب سيبقى عنوانا للصمود رغم كل المنغصات التي تهدف الى ترويع المارة وتضييق الخناق على المتواجدين في محيطه.

واشار العباسي الى ان الباب يعيش حالة من اليتم بعد ان فقد رواده الذين كانوا يجدون فيه متنفسا للراحة واللقاءات اليومية بعيدا عن ضغوط الحياة. واوضح ان التفتيش الاستفزازي والمراقبة الدائمة اصبحت جزءا من يوميات المقدسيين الذين يصرون على تحدي هذه الاجراءات بالبقاء في الميدان. وبين ان هذه التحديات ستزول بمرور الوقت مؤكدا على اهمية الحفاظ على هذا الفضاء كرمز حي للسيادة الفلسطينية.

واكد ان الروح التي تبعث في باب العامود لا يمكن ان تخمدها القوة العسكرية مهما بلغت حدة التضييق. واضاف ان كل زاوية في هذا المكان تحكي قصة تحدي وصمود تتناقلها الاجيال جيلا بعد جيل. وشدد على ان البقاء في هذا الحيز هو رسالة واضحة لكل من يحاول طمس الهوية العربية للمدينة المقدسة.

استهداف الفضاء العام للقدس

وبين الباحث الاكاديمي ساهر غزّاوي ان ما يشهده باب العامود يندرج ضمن سياسة اسرائيلية واسعة للسيطرة على الفضاء العام واعادة تشكيله وفق رؤية تهويدية. واضاف ان التصعيد الحالي في ادوات السيطرة يعكس توجها استراتيجيا يهدف الى تقليص الحضور الفلسطيني في المناطق الحيوية. واكد ان منع المصلين من الوصول الى الساحة في المناسبات الدينية هو جزء من سلسلة اجراءات تهدف الى تفريغ القدس من طابعها العربي.

واوضح الغزاوي ان الاحتلال يسعى جاهدا لتحويل الباب من ساحة اجتماعية مفتوحة الى منطقة امنية مغلقة تخضع لرقابة مشددة. واضاف ان التضييق على الحركة التجارية والنشاط الشعبي يؤدي الى اضعاف النسيج الاجتماعي الذي كان يتشكل في هذا المكان. وشدد على ان هذه السياسات تهدف الى فرض واقع جديد يجعل من الوجود الفلسطيني وجودا استثنائيا ومقيدا بدلا من كونه وجودا طبيعيا ومستمرا.

واشار الى ان اخطر ما يواجهه المقدسيون هو محاولة ربط المكان بسردية اسرائيلية بديلة عبر تغيير المسميات وفرض مسارات محددة. واضاف ان عسكرة الفضاء العام هي وسيلة لترهيب المواطنين وتقييد قدرتهم على التنظيم والاحتجاج السلمي. واكد ان هذه الممارسات لن تنجح في انتزاع الارتباط الوجداني بين المقدسيين ومداخل مدينتهم التاريخية.

تفريغ المكان من معناه التاريخي

واكد الباحث ان تفريغ باب العامود من وظيفته الاجتماعية يؤدي بالضرورة الى تفكيك الروابط التي تجمع المجتمع المقدسي في فضاءاته العامة. واضاف ان تحويل المكان الى ثكنة عسكرية يساهم في اضعاف القدرة على المبادرات الشبابية والحراك الشعبي. وبين ان كل هذه الاجراءات تهدف في جوهرها الى جعل الواقع القمعي امرا مسلما به مع مرور الزمن.

واظهرت التحليلات ان هناك سياسة متراكمة منذ سنوات تهدف الى تحويل الوصول الى المسجد الاقصى من رحلة طبيعية الى تجربة محفوفة بالخوف. واضاف ان تكثيف الحواجز والتفتيش هو محاولة لفرض قيود دائمة تمنع التدفق الطبيعي للمصلين. وشدد على ان هذه الاجراءات ترتبط بشكل مباشر بمشاريع استيطانية تهدف الى تغيير الوضع القائم في القدس.

واشار الغزاوي الى ان الصراع حول هذه المساحات سيظل مرشحا للتصاعد طالما استمرت المحاولات لفرض واقع قسري على السكان. واضاف ان الوعي الجمعي للمقدسيين يمثل حائط الصد الاول امام هذه المخططات التي تحاول محو التاريخ والجغرافيا. واكد ان باب العامود سيظل شاهدا على الهوية العربية للمدينة رغم كل محاولات التغيير القسري التي تفرضها سلطات الاحتلال.