في زقاق ضيق من أزقة المدينة القديمة، كان يعيش العم أمين، صانع الساعات العجوز. كان دكانه الصغير يمتلئ بالبندولات المعلقة والساعات الخشبية التي تكتك بصوت رتيب، كأنها تعزف لحناً أبدياً يربط الماضي بالحاضر.

لم يكن أمين يبيع الوقت، كان عمله أن يرمم الذكريات. كان الناس يأتون إليه بساعاتهم المعطلة، ليستعيدوا لحظات ثمينة ضاعت منهم في زحام الحياة.

ذات يوم، دخلت الدكان فتاة صغيرة تحمل بين كفيها ساعة جيب فضية قديمة جداً، متوقفة عن الدوران تماماً. قالت بنبرة حزينة: "هذه ساعة جدي الراحل، توقفت في اليوم الذي غادرنا فيه، وأريدها أن تعمل مجدداً لكي أشعر بنبض وجوده بجانبي".

أخذ العم أمين الساعة بحنو شديد، ووضع عدسته المكبرة على عينه، ثم فتح غطاءها الخلفي برفق. وجد التروس مغطاة بغبار السنين، والنابض الرئيسي مشدوداً لدرجة تمنعه من الحركة والاهتزاز.

بدأ يعمل بصمت وصبر كبيرين، ينظف القطع الدقيقة بفرشاة ناعمة، ويعيد ترتيب العجلات النحاسية الصغيرة واحدة تلو الأخرى. مرت الساعات وهو غارق في تفاصيل عمله، والفتاة تراقب حركاته بفضول ممزوج بالأمل والترقب.

أخيراً، أعاد تركيب الغطاء الفضي، وحرك المفتاح الجانبي برفق. فجأة، انطلقت تكتكة دافئة ومنتظمة من قلب الساعة، ومع دوران العقارب، انبعثت نغمة موسيقية عذبة وهادئة، كانت ذات النغمة التي يدندن بها جدها دائماً في مساءات الخريف.

اتسعت عينا الفتاة بدهشة وفرح عارم، وسقطت دمعة دافئة من عينيها امتزجت بابتسامة صادقة. شكرت العجوز من أعماق قلبها، ومضت مسرعة في الزقاق وهي تحتضن الساعة قرب صدرها كأنها استعادت قطعة من روح جدها.

نظر العم أمين إلى أثر خطواتها الراحلة، ثم ابتسم برضا واطمئنان، شاعراً أن دقات الساعات هي نبضات قلوب نحتفظ بها حية في ذاكرة الزمن.

خالد الشطناوي