تشهد خريطة الطاقة العالمية تحولات جذرية مع تعزز الشراكة الاستراتيجية بين روسيا والصين لتشكيل تكتل طاقة ضخم يهدف الى الالتفاف على العقوبات الغربية وتجنب مخاطر اضطراب الممرات البحرية. وتعتمد هذه الشراكة على تكامل المصالح بين موسكو التي تبحث عن اسواق بديلة لاوروبا وبكين التي تسعى لتأمين احتياجاتها من النفط والغاز عبر مسارات برية اكثر امانا واستقرارا.
وكشفت بيانات التجارة الاخيرة ان حجم التبادل بين البلدين تجاوز عتبة المليارات وسط تركيز كبير على قطاع الطاقة الذي يستحوذ على ثلث المبادلات التجارية تقريبا. واظهرت الارقام ان روسيا تحولت الى مورد اساسي للصين حيث تغطي نحو خمس احتياجاتها النفطية بمتوسط يومي مرتفع يعكس نجاح موسكو في اعادة توجيه صادراتها نحو الاسواق الاسيوية بعيدا عن الضغوط الغربية.
واكدت التقارير ان الاعتماد على خطوط الانابيب مثل قوة سيبيريا يعزز من مرونة امدادات الطاقة بعيدا عن مخاطر الملاحة البحرية. واضافت المصادر ان هناك رهانات كبرى على مشاريع مستقبلية لربط حقول القطب الشمالي بالشمال الصيني عبر منغوليا مما يرسخ دعائم هذا التحالف الاقتصادي طويل الامد في مواجهة التقلبات الدولية.
استقرار الامدادات في ظل التوترات
وتستفيد الصين بشكل مباشر من تدفقات الطاقة الروسية التي توفر لها بديلا اقل عرضة للمخاطر الجيوسياسية المرتبطة بمضيق هرمز والممرات البحرية الحيوية. واوضحت المعطيات الميدانية ان حركة الملاحة في المنطقة لا تزال تشهد تقلبات مستمرة حيث تتدفق ناقلات النفط والغاز وسط مخاوف امنية تؤثر على استقرار سلاسل الامداد العالمية.
وذكرت بيانات الجمارك الصينية ان هناك تراجعا ملحوظا في واردات النفط من بعض دول الشرق الاوسط مقابل زيادة مطردة في الاعتماد على المورد الروسي. واضاف المحللون ان هذا التحول يعكس رغبة بكين في تحصين اقتصادها ضد اي صدمات قد تنتج عن تعطل العبور في المضائق البحرية الرئيسية التي تعد شريانا اساسيا لتجارة الطاقة الدولية.
وبينت المؤشرات الاقتصادية ان الاسواق تترقب بحذر التطورات الجيوسياسية التي تؤثر على اسعار خام برنت. وشدد المراقبون على ان بقاء الممرات البحرية تحت ضغط التوترات يرفع من قيمة الخيار الروسي بالنسبة للصين التي ترى في التعاون البري مع جارتها الشمالية ضمانة حقيقية لاستدامة النمو الصناعي.
مركز ثقل الطاقة ينتقل الى الشرق
واكدت مصادر مطلعة في بكين ان تكثيف الواردات من روسيا خلال الفترة الاخيرة يمثل توجها استراتيجيا وليس مجرد صفقة تجارية عابرة. واضافت ان الصين تنظر الى روسيا كشريك موثوق يوفر استقرارا لا توفره الاسواق الاخرى التي تشهد تذبذبات سياسية واضحة وتؤثر على انتظام تدفق الشحنات.
واوضح الخبراء ان تشكل هذا التكتل الشرقي للطاقة يقلل من تأثيرات العقوبات الغربية على موسكو ويمنح بكين استقلالية اكبر في قراراتها الاقتصادية. واشاروا الى ان الاعتماد على النفط الامريكي يظل محدودا ومرتبطا بتوازنات تجارية هشة لا ترقى لتكون بديلا استراتيجيا عن التفاهمات النفطية والغازية مع روسيا.
وختاما حذر محللون من ان استمرار السحب من المخزونات الاستراتيجية العالمية لن يكون حلا مستداما في ظل نقص الامدادات. واكدوا ان العالم يتجه نحو واقع طاقوي جديد يتمحور حول الشرق حيث تلعب الشراكة الروسية الصينية دور المحرك الرئيسي لاستقرار الاسواق في المستقبل.
