شهدت الاسواق المالية العالمية تحولا لافتا في خارطة الاستثمارات الدولية مع تسجيل تراجع حاد في حيازات المستثمرين الاجانب من سندات الخزانة الامريكية خلال الفترة الاخيرة. وتصدرت كل من الصين واليابان قائمة الدول التي قلصت تعرضها للديون الامريكية بشكل كبير، في خطوة تعكس حالة من القلق تجاه تقلبات العوائد والتوترات الجيوسياسية المتصاعدة التي تضغط على استقرار الاسواق العالمية.

واظهرت بيانات وزارة الخزانة الامريكية انخفاض اجمالي الحيازات الاجنبية من هذه السندات لتصل الى نحو 9.35 تريليونات دولار، مقارنة بمستويات اعلى سجلت في الاشهر السابقة. وتعتبر هذه الموجة من البيع او اعادة التقييم واحدة من اكبر التراجعات الشهرية المسجلة، حيث دفعت الاضطرابات في سوق السندات كبار المستثمرين العالميين ومديري الاحتياطيات الى اعادة النظر في استراتيجياتهم الاستثمارية وتخفيف مخاطرهم المرتبطة بالدين الامريكي طويل الاجل.

واكدت التقارير ان الصين خفضت حيازاتها من السندات الامريكية لتصل الى مستويات لم تشهدها منذ سنوات طويلة، وهو ما يمثل استمرارا لنهج بكين في تنويع احتياطياتها الاجنبية بعيدا عن الاعتماد الكلي على الاصول الدولارية. وفي الوقت ذاته، اتخذت اليابان، بصفتها اكبر حامل اجنبي للدين الامريكي، خطوات مشابهة بتقليص حصتها بشكل ملحوظ، مما يعزز التوجه العام نحو البحث عن بدائل اكثر امانا في ظل تزايد عدم اليقين الاقتصادي.

دوافع الخروج من السندات الامريكية

وبين محللون ماليون ان هذا التراجع لا يعود فقط لعمليات بيع مباشرة، بل يرتبط ايضا بخسائر تقييمية ناتجة عن ارتفاع عوائد السندات، الامر الذي ادى الى انخفاض قيمتها السوقية بشكل تلقائي. واضاف الخبراء ان تذبذب اسعار الفائدة الامريكية وتصاعد التوترات في مناطق حيوية من العالم مثل الشرق الاوسط، ساهما بشكل مباشر في زيادة الضغوط على المستثمرين الذين يفضلون حاليا تقليل انكشافهم على الاصول الاكثر تأثرا بالتقلبات السياسية والاقتصادية.

واوضح مراقبون ان هذا التحرك الاستراتيجي من قبل القوى الاقتصادية الكبرى لا يعني بالضرورة هجرة كاملة للاصول المقومة بالدولار، اذ لا تزال بيانات السوق تشير الى تدفقات اجنبية نحو قطاعات اخرى مثل الاسهم وسندات الشركات. واشار هؤلاء الى ان المشهد الحالي يعكس بحثا دقيقا عن توازن جديد للمحافظ الاستثمارية وسط بيئة عالمية تتسم بارتفاع مستويات المخاطر وتغير التوقعات بشأن السياسات النقدية الامريكية في المستقبل القريب.

مستقبل الاستثمارات الاجنبية في واشنطن

وختم المتابعون للمشهد المالي بان استمرار الصين في تقليص تعرضها للدين الامريكي منذ سنوات يشير الى تغير هيكلي في ادارة الاحتياطيات الدولية. وشددوا على ان العالم امام مرحلة جديدة تتسم بتنويع الاصول، حيث لم تعد السندات الامريكية الملاذ الوحيد الذي يضمن استقرار الاحتياطيات في ظل عالم متعدد الاقطاب اقتصاديا.