تمر المملكة المتحدة بمرحلة مفصلية بعد مرور عقد كامل على الاستفتاء الشهير الذي أدى إلى خروجها من الاتحاد الاوروبي، حيث تظهر البيانات والارقام واقعا اقتصاديا وتجاريا معقدا يثير تساؤلات حول مدى نجاح هذا القرار في تحقيق الوعود التي قطعت للناخبين البريطانيين. وبينما كانت ملفات الاقتصاد والتجارة والهجرة هي المحرك الرئيسي للحملات السياسية حينها، تشير المؤشرات الراهنة إلى ان البلاد تواجه تحديات بنيوية عميقة اثرت بشكل مباشر على مستوى معيشة الافراد وقوة العملة الوطنية.

واكدت تحليلات اقتصادية حديثة ان الاقتصاد البريطاني سجل تراجعا نسبيا مقارنة بدول كبرى مثل الولايات المتحدة وكندا، خاصة بعد عام 2020 حيث بدات الفجوة تتسع في معدلات النمو الاقتصادي. واوضحت البيانات ان الاستثمارات تراجعت بنسبة كبيرة عما كان متوقعا لو بقيت بريطانيا جزءا من السوق الاوروبية الموحدة، مما انعكس سلبا على مستويات التوظيف والناتج المحلي الاجمالي للفرد الذي شهد انكماشا ملحوظا.

واضاف مراقبون ان تراجع قيمة الجنيه الاسترليني امام اليورو يعد مؤشرا قويا على فقدان القوة الشرائية، حيث اصبحت البلاد تواجه تكاليف معيشية مرتفعة مقارنة بما كانت عليه قبل عقد من الزمان. وشدد خبراء الاقتصاد على ان البلاد اصبحت في وضع مالي اضعف مما كانت ستكون عليه داخل التكتل الاوروبي، وهو ما يفسر الضغوط المتزايدة على الحكومة الحالية للبحث عن صيغ جديدة لاعادة ضبط العلاقات مع الجيران الاوروبيين.

واقع الاقتصاد البريطاني بعد سنوات

وبينت تقارير رسمية ان الحكومة البريطانية الحالية بقيادة كير ستارمر تسعى جاهدة لاصلاح الضرر الاقتصادي دون التراجع الكامل عن خيار الخروج الذي لا يزال يحظى بجدل واسع في الشارع البريطاني. واشار مسؤولون حكوميون الى ان خسائر الناتج المحلي الاجمالي تقدر بنسب تتراوح بين 6% و8%، وهي ارقام تعكس حجم التحديات التي تواجه المؤسسات الانتاجية والشركات التي كانت تعتمد على سلاسل توريد اوروبية سلسة.

واوضح وزير النمو البريطاني ان العودة الى التنسيق الوثيق مع الاتحاد الاوروبي باتت امرا حتميا لمعالجة الفجوات الاقتصادية العميقة التي نتجت عن الانفصال. واكد ان التقييمات التي يجريها مكتب مسؤولية الموازنة تظهر بوضوح ان القرارات الاقتصادية التي اتخذت في السنوات الاخيرة لم تنجح في تعويض الخسائر الناتجة عن فقدان الوصول الحر الى الاسواق الاوروبية.

واضافت التحليلات ان الحكومة تتجنب حاليا فتح ملف العودة الكاملة للاتحاد الاوروبي خوفا من ردود فعل الناخبين الذين يخشون تداعيات ذلك على ملف الهجرة. وبينت ان التوازن السياسي لا يزال هشا، مما يضع صناع القرار في بريطانيا امام خيارات صعبة توازن بين الاصلاح الاقتصادي والالتزامات السياسية التي فرضها استفتاء البريكست.

تحديات الميزان التجاري البريطاني

وكشفت الارقام المتعلقة بالتجارة الخارجية ان بريطانيا تواجه عجزا تجاريا متزايدا، حيث انخفضت صادرات السلع الى الاتحاد الاوروبي بشكل لافت منذ عام 2016. واوضحت البيانات ان الصادرات لم تنجح في التحول نحو اسواق عالمية بديلة بالشكل الذي كان يطمح اليه مؤيدو الانفصال، مما ادى الى تفاقم العجز التجاري الاجمالي للبلاد.

واكدت الاحصائيات ان صادرات الخدمات هي القطاع الوحيد الذي شهد نموا ملحوظا، الا ان هذا النمو لم يكن كافيا لتغطية الفجوة الكبيرة في تجارة السلع. واضافت ان الواردات الاجمالية استمرت في الارتفاع بوتيرة اسرع من الصادرات، مما دفع العجز في الميزان التجاري الى مستويات قياسية بلغت نحو 65 مليار جنيه استرليني في عام 2025.

واشار خبراء تجاريون الى ان العجز التجاري مع الاتحاد الاوروبي تحديداً تضخم بشكل كبير، مما يعكس صعوبة استبدال السوق الاوروبية القريبة بأسواق بعيدة. وبينت ان هذه الارقام تشكل ضغطا اضافيا على ميزانية الدولة وتحد من قدرة الاقتصاد على تحقيق فوائض مالية في ظل التضخم العالمي.

تحولات ملف الهجرة في بريطانيا

واظهرت بيانات الهجرة تغيرا جذريا في تركيبة القوى العاملة، حيث انخفضت اعداد المهاجرين القادمين من دول الاتحاد الاوروبي بشكل كبير بعد تطبيق قوانين الهجرة الجديدة. واضافت الاحصائيات ان هذا النقص تم تعويضه بزيادة كبيرة في اعداد المهاجرين من خارج الاتحاد الاوروبي، مما غير الخارطة الديموغرافية للعمالة في البلاد.

واوضح المكتب الوطني للاحصاءات ان صافي الهجرة من خارج الاتحاد الاوروبي وصل الى ارقام قياسية، بينما اصبحت حركة المهاجرين الاوروبيين سلبية، حيث غادر البلاد اعداد من الرعايا الاوروبيين تفوق اعداد الوافدين منهم. واكدت التقارير ان رحيل العمالة البولندية والاوروبية كان له اثر ملموس على قطاعات حيوية كانت تعتمد بشكل كلي على هذه العمالة.

وبينت الارقام ان اجمالي صافي المهاجرين استقر عند مستويات اقل مما كان عليه قبل سنوات، لكنه يعتمد الان بشكل كلي على مصادر غير اوروبية. واشار محللون الى ان هذا التحول في سياسة الهجرة كان احد وعود البريكست الرئيسية، الا ان تبعاته على سوق العمل لا تزال قيد الدراسة والتقييم من قبل المؤسسات البريطانية.