استطاع الأردن خلال ثمانية عقود أن يحول اقتصاده من كيان صغير يعتمد على المساعدات إلى اقتصاد أكثر تنوعاً وشمولية، يقوده قطاع خاص حيوي ويستند إلى استقرار نقدي نادر في المنطقة . ورغم استمرار المعاناة من التحديات الهيكلية والمخاطر الجيوسياسية، فإن الإرادة الأردنية ما زالت قادرة على تحويل الأحلام والأرقام المكتوبة على الورق إلى حجر وبشر وبنية تحتية حقيقية.
عندما نستعرض المسيرة الاقتصادية للأردن منذ الاستقلال عام 1946 حتى اليوم، نجدها قصة فريدة في التحدي والإنجاز، ففي بلد يفتقر إلى الموارد الطبيعية مقارنة بجيرانه، واجه الأردن تحديات هائلة، منها موجات لجوء متتالية، صدمات إقليمية متكررة، وبيئة من عدم الاستقرار. ورغم كل ذلك استطاع بناء اقتصاد حديث ومتنوع ومستدام وقادر على الصمود. فقد اعتمد الاقتصاد الأردني في عقوده الأولى من 1946-1989 على نموذج الاقتصاد الريعي، فمنذ تأسيس إمارة شرق الأردن، كانت البلاد تعتمد على المساعدات الخارجية، التي وصلت في الخمسينيات إلى 60% من الإيرادات الحكومية.
هذا وشهدت سبعينيات القرن الماضي طفرة غير مسبوقة بفعل ارتفاع أسعار أدت إلى تدفق المساعدات العربية وارتفاع كبير في تحويلات المغتربين تجاوزت مليار دينار في منتصف الثمانينات، والتي استثمرت بكثافة في قطاعي العقارات والخدمات، مما خلق اقتصاداً مستهلكاً غير منتج، وارتفاع في البطالة وتضخم في المديونية، إلى أن شكلت التسعينيات بداية تحول استراتيجي نحو الانفتاح وتحرير الاقتصاد والتي تم خلال تنفيذ برنامج لإعادة الهيكلة قائم على خفض الدعم والسيطرة على التضخم وتثبيت سعر صرف الدينار مقابل الدولار مما منح استقراراً نقدياً ميز الأردن في المنطقة.
مع تولي جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين سلطاته الدستورية عام 1999، انطلق الأردن في مسيرة تحديث طموحة تحت ما يمكن تسميته "رؤية الاقتصاد الجديد"، وجاءت البداية بانضمام الأردن لمنظمة التجارة العالمية عام 2000، مما فرض تحديثاً شاملاً لأنظمة الملكية الفكرية والمنافسة والجمارك، وفتح الأسواق العالمية. وشهد الاقتصاد طفرة استثمارية ضخمة في قطاعات العقارات والخدمات مدفوعة بتدفق رؤوس أموال عربية وأجنبية، والتي امتدت إلى قطاع الصناعة حيث قفزت الصادرات الصناعية من 993 مليون دينار في العام 1999 لتتجاوز 10.5 مليار دينار في العام 2025، وارتفعت عدد المنشآت الصناعية من 4 الاف منشأة إلى 18 ألف منشأة ساهمت في توفير 268 فرصة عمل.
لم يقتصر التحول على وتيرة النمو فقط، بل تمثل في تغير جذري في بينة الاقتصاد نفسه، فالاقتصاد الوطني اليوم يشهد تحولاً كاملاً حيث تهيمن الخدمات بحصة تصل إلى 70% من الناتج المحلي الإجمالي يليها القطاع الصناعي بنحو 24%، وهذا التنويع الهائل هو سبب رئيسي لكون الاقتصاد الأردني أكثر قدرة على الصمود في وجه الأزمات مقارنة بجيرانه المعتمدين على سلعة أولية واحدة، وكان تحقيق الاستقرار مستحيلاً لولا نجاح السياسة النقدية في الحفاظ على سعر صرف الدينار وقوة الجهاز المصرفي. واستطاع الاقتصاد الوطني الحفاظ على منعته رغم التطورات الإقليمية المتتالية في المنطقة وفي تكرار موجات اللجوء مما يضغط على البينة التحتية إضافة إلى تعطل سلاسل التوريد الحيوية في المنطقة.
في العام 2022 اطلقت رؤية التحديث الاقتصادي 2033 كخارطة طريق بأهداف واضحة وطموحة وعابرة للحكومات، تهدف الدولة  من خلالها إلى مضاعفة الناتج المحلي إلى 58 مليار دينار، وخلق مليون فرصة عمل، وزيادة دخل الفرد الحقيقي بنسبة 3% سنوياً، وتحقيق نسبة نمو تصل إلى 5% في الناتج المحلي الإجمالي.
أدام الله علينا نعمة الأمن والأمان في ظل صاحب الجلالة الهاشمية الملك عبد الله الثاني ابن الحسين وكل عام والأردن بألف خير 
طارق حجازي 
مدير عام جمعية رجال الأعمال الأردنيين