تشهد اسواق الماشية في الجزائر حالة من الترقب والنشاط المكثف مع اقتراب موسم عيد الاضحى حيث تضع الاسعار المرتفعة قدرة المواطن الشرائية تحت اختبار حقيقي. وبادرت السلطات الجزائرية الى تبني استراتيجية شاملة تهدف الى ضبط السوق من خلال استيراد رؤوس الماشية من الخارج وتفعيل منصات رقمية متطورة لتنظيم عمليات الحجز والبيع وتجنب ممارسات الاحتكار التي ترهق ميزانية الاسر. واكد مراقبون ان هذه الخطوات تاتي كضرورة قصوى لحماية الثروة الحيوانية المحلية وضمان توفر الاضاحي باسعار معقولة للطبقات المتوسطة ومحدودي الدخل.
واوضح رئيس المنظمة الجزائرية لحماية وارشاد المستهلك مصطفى زبدي ان التدخل الحكومي عبر بوابة الاستيراد يعد خطوة ايجابية تمنح المواطن خيارات بديلة في ظل تصاعد اسعار المواشي المحلية بشكل غير مسبوق. واضاف زبدي ان المبررات التي يسوقها المربون حول تكاليف التربية والاعلاف لا تفسر الارتفاع الخيالي في الاسعار مؤكدا ان الكثير من تلك التكاليف تظل غير واقعية عند مقارنتها بالقدرة الشرائية الفعلية للمواطنين.
وبين زبدي ان الهدف الاساسي من هذه المبادرات هو كسر حدة المضاربة وضمان وصول الاضاحي الى مستحقيها بعيدا عن جشع الوسطاء. وشدد على ضرورة ان تظل شعيرة الاضحية متاحة للجميع وفق مبدأ الاستطاعة الشرعية والمالية بعيدا عن استغلال السماسرة الذين يسعون لتحقيق ارباح سريعة على حساب المواطن البسيط.
واقع الاسعار وتكاليف التربية المحلية
وتواجه الاسواق التقليدية ضغوطا كبيرة نتيجة ارتفاع اسعار الاغنام المحلية التي تحظى بشعبية واسعة لجودتها العالية. وتراوحت الاسعار في الاسواق المحلية بين مبالغ تفوق القدرة المالية لشريحة واسعة من الموظفين حيث سجلت الخراف الكبيرة مستويات سعرية قياسية تجاوزت بوضوح متوسط الاجور الشهرية.
وارجع المربون المعروفون محليا بـ الموالين هذه الزيادات الى ارتفاع تكاليف الانتاج منذ الولادة بما في ذلك الاعلاف والرعاية الصحية والنقل. واكد احد المربين ان المقارنة بين الانتاج المحلي والمستورد تفتقر للمنطق مشيرا الى ان السلالات الجزائرية تتميز بجودة اللحوم والتغذية الطبيعية التي تجعلها الخيار الاول للكثير من العائلات رغم فارق السعر.
واضاف المربي ان اغنامه التي يرعاها في المناطق الداخلية تتغذى على الاعشاب الطبيعية مما يمنحها تميزا لا يتوفر في الانواع المستوردة التي يجهل المستهلك طبيعة تغذيتها. وشدد على ان تمسك المواطن بالسلالة المحلية يعكس ارتباطا ثقافيا ودينيا يتجاوز الحسابات المادية البحتة في اختيار الاضحية.
المنصات الرقمية كاداة لضبط السوق
ولمواجهة ظاهرة تسرب الاضاحي المدعمة الى السوق السوداء اطلقت السلطات منصة الكترونية تتيح للمواطنين حجز اضاحيهم بأسعار شفافة ومحددة. واصبح بامكان الراغبين في الشراء اختيار الاضحية المناسبة وتحديد موعد الاستلام بكل سلاسة بعيدا عن طوابير الانتظار الطويلة والازدحام في الاسواق العشوائية.
واكد مواطنون ان تجربة الحجز الرقمي كانت ناجحة وساهمت في توفير وقتهم وجهدهم مع ضمان الحصول على اضحية بسعر معلن. واضاف زبدي ان هذه المنصة تعد اداة فعالة للحد من نشاط السماسرة رغم محاولاتهم المستمرة للالتفاف على الاجراءات الحكومية التي تهدف الى حماية المستهلك.
وبين ان نجاح هذه التجربة يعتمد على وعي المواطن واستخدامه للوسائل القانونية المتاحة لتجنب الوقوع في فخ المضاربة. واكد ان الدولة ماضية في تطبيق تعليمات صارمة تمنع التلاعب بالاسعار وتفرض عقوبات على كل من يحاول استغلال المواسم الدينية لتحقيق مكاسب غير مشروعة.
التمسك بالسلالة المحلية رغم التحديات
وفي ظل توافر خيارات الاستيراد تظل فئة من المواطنين متمسكة باقتناء الاغنام المحلية ذات السلالات المعروفة. ويرى هؤلاء ان الاضحية شعيرة دينية تتطلب اختيار الافضل بغض النظر عن الفوارق السعرية الكبيرة مقارنة بالانواع الاخرى.
واكدت هذه الفئة ان سلالة اولاد جلال وغيرها من الانواع الجزائرية الاصيلة تظل هي المفضلة رغم تكلفتها العالية. واضافوا ان الجودة التي توفرها هذه السلالات تجعلها الخيار الانسب لاداء الشعيرة وفق المعايير التي يفضلها المستهلك الجزائري.
وبينت المؤشرات ان السوق يشهد حالة من التوازن النسبي بين العرض المحلي والمدعوم مما يمنح المواطن حرية الاختيار وفق امكانياته المادية. وشدد الخبراء على ان استمرار هذه السياسات التوازنية من شأنه ان يضمن استقرار الاسعار في المواسم القادمة ويحمي القدرة الشرائية للاسر الجزائرية.
