كشفت النتائج المالية للشركات العقارية المدرجة في السوق السعودية عن مرحلة مفصلية تتسم بالنضج التشغيلي والاستدامة بعيدا عن تقلبات المضاربات السابقة. واظهرت البيانات تسجيل مبيعات قوية تجاوزت 1.75 مليار دولار خلال الربع الاول، مما يعكس متانة الاساسات التي تستند اليها الشركات في ظل بيئة اقتصادية متغيرة تركز على الجودة والقيمة المضافة. واكدت التقارير ان القطاع نجح في تحقيق صافي ارباح بلغ 378.42 مليون دولار، رغم تسجيل تراجع في اجمالي الارباح بنسبة 30.56 في المائة نتيجة تغير دورة الاعتراف المحاسبي بالايرادات وتباطؤ وتيرة المضاربات السريعة.

نضج السوق وتراجع المضاربات

وبين خبراء ان هذا المشهد التصحيحي يعد نتيجة مباشرة للاجراءات التنظيمية الهادفة لرفع كفاءة السوق العقارية السعودية وتحقيق التوازن المستدام. واوضحوا ان تنظيم الايجارات وتفعيل رسوم الاراضي البيضاء وزيادة المعروض العقاري اسهمت بشكل فعال في توجيه سلوك المستهلك نحو مزيد من الحذر والانتقائية في اختيار المنتجات ذات الجودة العالية. واضافوا ان اداء الشركات شهد تباينا ملحوظا، حيث قفزت ارباح شركات قيادية مثل العقارية بنسبة 251.8 في المائة، بينما حققت دار الاركان نموا بنسبة 24.3 في المائة، مما يؤكد انتقال القطاع من مرحلة النمو المتسارع الى مرحلة النضج التشغيلي المتوافق مع مستهدفات رؤية 2030.

واشار المختصون الى ان 15 شركة من اصل 17 شركة عقارية مدرجة سجلت ارباحا صافية خلال الفترة الماضية، مما يعكس قدرة الشركات على التكيف مع متطلبات السوق الجديدة. وذكروا ان شركة العقارية تصدرت قائمة الاكثر ربحية تليها دار الاركان وسينومي سنترز، رغم التحديات التي واجهت بعض الشركات الاخرى في تسجيل خسائر ربعية. واكدوا ان انخفاض المبيعات الاجمالي بنسبة 4.45 في المائة يعود بشكل رئيسي الى التغيرات في دورة تسليم المشاريع والتحول نحو الواقعية بدلا من الزخم السعري الذي كان سائدا في الفترات السابقة.

اعادة تموضع في دورة الربحية

واوضح الخبير العقاري عبد الله الموسى ان تراجع الارباح لا يعبر عن ضعف في القطاع بل هو اعادة تموضع طبيعية في دورة الربحية. وبين ان هناك خمسة اسباب رئيسية لهذا التراجع، ابرزها تغير دورة الايرادات والاعتراف المحاسبي المرتبط بتوقيت تسليم المشاريع، وتباطؤ المضاربات في المدن الرئيسية مثل الرياض. واضاف ان ارتفاع تكاليف التمويل والتشغيل ومواد البناء ضغطت بشكل مباشر على هوامش الربح لدى بعض الشركات، مشددا على ان التباين بين نماذج الاعمال، سواء في التطوير او المراكز التجارية او الضيافة، خلق فوارق واضحة في الاداء المالي بين مختلف الشركات.

وشدد الموسى على ان المرحلة المقبلة ستشهد فرزا طبيعيا بين الشركات التي تملك تدفقات نقدية مستقرة واصولا مدرة للدخل وبين تلك التي كانت تعتمد على الزخم السعري. واكد ان هذا المسار يمثل مرحلة صحية تعزز من كفاءة القطاع على المديين المتوسط والطويل. وتابع ان الشركات التي تركز على الجودة والحوكمة ستكون الاكثر قدرة على الاستفادة من بيئة السوق الجديدة التي تكافئ الانضباط التشغيلي.

واكد الخبير العقاري صقر الزهراني ان السوق العقارية السعودية تمر بمرحلة اعادة توازن ضرورية لضمان استدامة النمو. وبين ان النتائج المالية تعكس تغيرا في سلوك المشترين الذين اصبحوا يركزون على القيمة الفعلية والموقع وجودة الخدمات. واضاف ان النظرة المستقبلية للقطاع تظل ايجابية بفضل المشاريع الكبرى وبرامج رؤية 2030 والنمو السكاني المطرد، موضحا ان الانفاق الحكومي المستمر على البنية التحتية يمثل ركيزة اساسية لنمو القطاع في السنوات المقبلة.