تسيطر على الاسواق العالمية حالة من الترقب والدهشة تجاه قرارات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الامريكي بشان اسعار الفائدة. ويعتقد الكثير من المستثمرين ان بقاء الفائدة عند مستويات مرتفعة يهدف فقط الى كبح جماح التضخم. غير ان التحليلات العميقة لما يجري في كواليس الاقتصاد تكشف عن حقيقة مختلفة تماما تتعلق بظاهرة هيكلية جديدة تسمى ندرة راس المال. وتظهر البيانات ان المعركة الحقيقية ليست مع ارقام التضخم التي باتت تحت السيطرة نسبيا بل مع تغير جوهري في توافر السيولة العالمية.
واوضحت مؤشرات اسواق السندات ان توقعات التضخم طويل الاجل استقرت عند مستويات مطمئنة تقترب من 2.3 في المائة. وبينت هذه الارقام ان الارتفاع المستمر في العوائد الحقيقية للسندات لا يعود الى مخاوف من غلاء الاسعار. واكدت الاسواق ان السبب الحقيقي يكمن في احتدام المنافسة العالمية على الرساميل المتاحة مما جعل تكلفة الاقتراض ترتفع نتيجة نقص المعروض من الاموال مقابل الطلب الهائل عليها.
وكشفت التحليلات ان العالم يتجه نحو مرحلة جديدة تتسم بندرة السيولة بدلا من وفرتها. واضاف الخبراء ان هذا التحول ينهي حقبة فائض المدخرات العالمي التي ميزت العقود الماضية. وشدد المحللون على ان السياسة النقدية لم تعد تعمل في بيئة مريحة كما كان في السابق بل باتت تواجه منافسة شرسة على الاموال من قطاعات استراتيجية جديدة.
تحولات هيكلية تلتهم السيولة العالمية
وتتحرك الرساميل الضخمة اليوم نحو تمويل قفزات تكنولوجية وجيوسياسية غير مسبوقة. واظهرت البيانات ان قطاع الذكاء الاصطناعي وميزانيات الدفاع والبنية التحتية للاتصالات تلتهم الجزء الاكبر من السيولة المتاحة. واشارت التقارير الى ان الانفاق الراسمالي لعمالقة التكنولوجيا تجاوز حاجز 300 مليار دولار لبناء مراكز البيانات وتامين الطاقة. واوضحت هذه التوجهات ان الفرص والمشاريع الاستراتيجية اصبحت تفوق حجم الاموال المتوفرة مما يرفع تكلفة المال تلقائيا.
وذكرت الدراسات ان هذا الواقع يقود الى مفهوم المعدل المحايد للفائدة او ما يعرف بـ ار ستار. وبينت المؤشرات ان هذا المعدل قد ارتفع هيكليا مما يضع الفيدرالي امام معضلة حقيقية. واكدت التقديرات ان اي خفض كبير في الفائدة سيؤدي الى اشتعال تضخم جديد ناتج عن تفوق الطلب على العرض في سوق راس المال.
واضاف المتابعون ان الخيار الاكثر واقعية امام صناع السياسة النقدية هو الابقاء على تكلفة الاقتراض مرتفعة لفترة اطول. واشاروا الى ان الاسواق التي تحن الى عصر السيولة الرخيصة يجب ان تعيد حساباتها. واوضحت المعطيات ان العقد المقبل لن يشبه الماضي حيث انتهت صلاحية الفائدة الصفرية التي كانت مرتبطة بظروف اقتصادية وديموغرافية استثنائية.
مستقبل الاستثمار في ظل ندرة المال
وتواجه الاستراتيجيات الاستثمارية التي بنيت على فرضية التمويل المجاني ضغوطا تصحيحية قاسية. وبينت التحليلات ان السؤال الجوهري للمستثمرين اليوم يتعلق بكيفية التعامل مع عالم استقرت فيه تكلفة راس المال عند مستويات مرتفعة. واكدت التقارير ان الاجابة على هذا التساؤل ستحدد ملامح الثروات في السنوات القادمة. واضاف المحللون ان على الصناديق الاستثمارية تصميم محافظها لتتلاءم مع واقع ندرة المال بدلا من انتظار عودة الازمنة الغابرة.
