يواجه الرئيس دونالد ترمب مرحلة مفصلية في ادارته الاقتصادية مع تولى كيفن وورش قيادة البنك المركزي الامريكي، وهو تحول ينهي حقبة كان فيها جيروم باول شماعة للوم على ارتفاع اسعار الفائدة وتباطؤ النمو. لم يعد ترمب يمتلك ترف القاء المسؤولية على مستشارين سابقين، اذ اصبح وورش خياره المباشر الذي سيتحمل معه تبعات اي اخفاق او نجاح في الملفات المعيشية الحساسة. وقد تجسد حجم هذا الرهان في حفل اداء اليمين الذي اقيم في البيت الابيض، حيث شدد ترمب على رغبته في ان يتبع وورش نهجا خاصا لتحقيق ازدهار اقتصادي ملموس يخرج البلاد من حالة الركود الحالية.

واكد ترمب خلال المراسم ان الاقتصاد القوي يمثل جوهر النجاح المنشود، معبرا عن رفضه التام لاي قيود تعيق مسار النمو وتكبح طموحات السوق. واضاف ان المرحلة القادمة تتطلب مواءمة دقيقة بين السياسات النقدية والوعود الانتخابية التي قطعها امام الناخبين، خاصة فيما يتعلق بخفض تكاليف المعيشة التي تشكل عبئا ثقيلا على الاسر الامريكية.

وبين المحللون ان هذا التعيين يضع وورش امام اختبار صعب، اذ ان استطلاعات الثقة الاخيرة تشير الى تشاؤم واسع النطاق، مع تراجع ملحوظ في شعبية الادارة لدى المستقلين والجمهوريين على حد سواء. وارتفعت معدلات الفائدة على الرهن العقاري لتسجل مستويات قياسية جديدة، مما يزيد الضغوط على قطاع الاسكان ويؤجج المخاوف من استمرار التضخم الذي ظل عصيا على التراجع رغم الوعود السابقة.

تحديات اقتصادية ورهانات سياسية

واظهرت البيانات الاخيرة ان مؤشر التضخم لا يزال يحلق فوق مستويات 3.5 في المئة، وهو ما يتجاوز بكثير المستهدف الذي يضعه الفيدرالي عند 2 في المئة، مما يعقد فرص الحزب الجمهوري في الانتخابات النصفية المقبلة. واوضح خبراء ان التضخم المرتفع غالبا ما ينعكس سلبا على شعبية الحزب الحاكم، بينما تبقى الحلول التقليدية مثل رفع اسعار الفائدة غير محببة سياسيا وغير مرغوبة من قبل الرئيس ترمب.

واشار ريتشارد ستيرن الباحث في شؤون السياسات الاقتصادية الى ان باول كان يؤدي دور كبش الفداء في قضايا معقدة، اما الان فقد اصبح الاقتصاد مرتبطا بشكل وثيق باسم ترمب. واضاف ان مشكلة ارتفاع تكاليف المعيشة تتجاوز حدود القرارات النقدية السريعة، مما يجعل من الصعب التنبؤ بمسار السوق في ظل هذه المعطيات المتشابكة.

واكد مراقبون ان وورش الذي يبلغ من العمر 56 عاما يمتلك خلفية مهنية قوية وخبرة سابقة في مجلس محافظي الفيدرالي، مما يجعله قادرا على بناء سلطته الخاصة في بيئة مصرفية بالغة التعقيد. وتعد علاقاته الشخصية والمهنية مع ترمب هي المحرك الاساسي لهذا الاختيار، في وقت يتطلع فيه الرئيس الى شخصية قادرة على تنفيذ رؤيته دون الالتزام بالقيود التقليدية.

ادارة النظام المالي في عهد وورش

وبين وورش في تصريحات سابقة انه يميل الى اعتماد اسلوب نقاش اكثر حدة وشفافية داخل اروقة البنك المركزي، مع استعداد واضح لاحداث صدمات في الاسواق عبر قرارات غير متوقعة. ويهدف هذا النهج الى الابتعاد عن التوجيهات المسبقة التي سادت خلال السنوات الماضية، مما يطرح تساؤلات جدية حول مدى جاهزية الاقتصاد العالمي لاستيعاب هذه التقلبات.

واضافت محاضر اجتماعات الفيدرالي الاخيرة ان هناك تيارا داخل المجلس يرى ضرورة الاستمرار في رفع اسعار الفائدة لمواجهة التضخم، وهو مسار قد يصطدم بتوقعات الرئيس ترمب وتوجهات وورش السابقة. وتضم هذه المجموعة شخصيات اقتصادية ذات ثقل اكاديمي وخبرة استثمارية كبيرة، مما ينذر بوجود انقسامات داخلية قد تظهر الى السطح قريبا.

وكشفت التطورات الاخيرة في اسواق السندات ان المستثمرين قد بدأوا بالفعل في تسعير توقعاتهم بناء على استمرار التضخم، حيث شهدت العوائد طويلة الاجل ارتفاعا ملحوظا. واكد خبراء السوق ان الفترة القادمة ستكون حاسمة في تحديد مدى قدرة وورش على الموازنة بين استقلالية المؤسسة النقدية وبين ضغوط البيت الابيض، في ظل مشهد اقتصادي لا يزال يرزح تحت وطاة ارتفاع الاسعار.