تتجه الانظار نحو البنك المركزي الاوروبي الذي بات يميل بوضوح نحو تبني سياسة نقدية اكثر تشددا في اجتماعه القادم وذلك في خطوة تهدف الى كبح جماح التضخم الذي يهدد استقرار منطقة اليورو. واظهرت المعطيات الاخيرة ان صانعي السياسة النقدية يضعون رفع اسعار الفائدة كخيار اساسي على الطاولة معتبرين ان هذا الاجراء يمثل درعا تأمينيا ضروريا لحماية مصداقية البنك ومنع التضخم من التغلغل في مفاصل الاقتصاد. واكدت النقاشات الداخلية ان خيار تثبيت الفائدة في الاجتماع السابق لم يكن سهلا بل كان محل جدل واسع بين الاعضاء الذين رأوا في الرفع رسالة حازمة للاسواق.

وكشفت المداولات ان المجلس الحاكم كان يدرس بجدية اتخاذ خطوة استباقية لرفع الفائدة وهو ما يمهد الطريق الان امام قرار شبه محسوم في يونيو المقبل. واوضحت التقارير ان رئيسة البنك كريستين لاغارد قد مهدت لهذه الخطوة من خلال تلميحاتها السابقة حول ضرورة التحرك العاجل لمواجهة الضغوط السعرية. وبينت التحليلات ان الاعضاء يدركون جيدا ان الوقت يداهمهم وان اي تأخير اضافي قد يقلل من فاعلية الادوات النقدية المتاحة للسيطرة على وتيرة الارتفاع في الاسعار.

تحديات النمو الاقتصادي وصدمات العرض

واظهرت تفاصيل الاجتماع الاخير قلقا متزايدا لدى المسؤولين من المخاطر التي تحيط بآفاق النمو في ظل تداعيات صدمات الطاقة التي باتت تؤثر بشكل مباشر على مؤشر اسعار المستهلكين. واشار الخبراء الى ان انتقال آثار هذه الصدمات الى السلع والخدمات يستغرق فترات زمنية متفاوتة مما يجعل السيطرة عليها امرا بالغ التعقيد. واضاف المسؤولون ان الوضع الحالي يختلف جذريا عن سيناريوهات العام الماضي حيث لم يعد الطلب المحلي هو المحرك الوحيد للتضخم بل اصبحت صدمات العرض الخارجية هي اللاعب الرئيسي في المشهد الاقتصادي الحالي.

وذكر المحللون ان البنك المركزي الاوروبي يواجه صدمة عرض سلبية كلاسيكية تتطلب توازنا دقيقا بين محاربة التضخم وتجنب دفع الاقتصاد نحو الركود. واكدوا ان التوقعات طويلة الاجل لا تزال ضمن النطاق المستهدف رغم ارتفاع المؤشرات قصيرة الاجل بشكل ملحوظ. وشدد البنك على اهمية استقرار التوقعات لضمان عدم خروج الامور عن السيطرة في ظل التقلبات الجيوسياسية والاقتصادية التي تشهدها المنطقة حاليا.

مسارات السياسة النقدية في المرحلة المقبلة

وباتت الاسواق المالية تسعر بالفعل رفع الفائدة بمقدار 25 نقطة اساس في يونيو باعتباره امرا واقعا لا مفر منه. واوضح الخبراء ان هذه الخطوة الرمزية تهدف الى تثبيت التوقعات واعادة الثقة للمستثمرين في قدرة البنك على ادارة الازمة. واضافوا ان احتمالية الدخول في حلزونية تضخمية تظل محدودة طالما استمرت الحكومات في تقديم دعم مالي مدروس لا يفاقم من الضغوط التضخمية.

وبينت التحليلات ان البنك المركزي لن ينجرف نحو تشديد عدواني ومستمر خوفا من تعميق الركود الاقتصادي الذي قد يضر بالنمو على المدى الطويل. واكد المتخصصون ان سوق السندات يقوم بدوره في عملية التشديد النقدي من خلال رفع العوائد تلقائيا مما يخفف العبء عن كاهل البنك المركزي في اتخاذ خطوات قاسية. وختاما يبدو ان النهج الحذر والتأميني سيكون هو العنوان العريض لسياسة البنك في الشهور القادمة.