تشهد اسواق المال العالمية حالة من الارتباك غير المسبوق نتيجة تراجع الثقة في سندات الخزانة الامريكية التي كانت توصف دائما بانها الملاذ الامن للمستثمرين. وتواجه هذه الادوات المالية موجة بيع واسعة النطاق تعيد صياغة قواعد الاستثمار التقليدية في ظل مخاوف متزايدة من التضخم المرتفع وقوة الاقتصاد الامريكي التي تدفع الفيدرالي للتمسك بأسعار فائدة مرتفعة لفترة اطول. واظهرت البيانات ان العلاقة العكسية التاريخية بين الاسهم والسندات قد تلاشت تماما مما جعل الاخيرة مصدرا لتقلبات المحافظ بدلا من كونها اداة حماية.

واكد الخبراء ان قفزة عوائد السندات طويلة الاجل فوق حاجز الخمسة بالمائة وضعت المستثمرين امام تحديات صعبة في تقدير المخاطر. واضاف المحللون ان الارتباط المرتفع بين مؤشر اس اند بي خمسمائة وعوائد الديون السيادية يعكس تحولا هيكليا في سيكولوجية السوق التي اصبحت لا تثق في قدرة السندات على كبح جماح الخسائر عند حدوث اي تراجع في اسهم الشركات. وبينت المؤشرات ان هذه الضغوط مدفوعة بزيادة المعروض من السندات نتيجة عجز الموازنة الامريكية والحاجة لتمويل الانفاق الحكومي المتصاعد.

واشار المتابعون للسوق الى ان التوترات الجيوسياسية الاخيرة والتضخم اللزج ساهما في رفع علاوة المخاطر التي يطالب بها المستثمرون. واوضحت التقارير ان غياب الاستقرار في تكلفة خدمة الدين الامريكي جعل الاجل الطويل للسندات منطقة محفوفة بالمخاطر مما دفع كبار مديري الاصول لاعادة النظر في استراتيجياتهم الدفاعية. وشدد الخبراء على ان العالم يواجه مرحلة انتقالية تتطلب تعاملات اكثر حذرا مع ادوات الدخل الثابت في ظل بيئة اقتصادية لا تعترف بالنماذج المالية الكلاسيكية.

تراجع نموذج 60 على 40 ومستقبل التنويع

ويواجه نموذج المحفظة التقليدي المكون من ستين بالمائة اسهم واربعين بالمائة سندات تهديدا حقيقيا في ظل الظروف الراهنة. واوضح خبراء الاستثمار ان هذا النموذج كان يعتمد كليا على التباين في اداء الاصول لتحقيق التوازن وهو ما لم يعد متاحا اليوم. واضافوا ان البحث عن بدائل اصبح ضرورة ملحة لحماية الثروات من تآكل القوة الشرائية في وقت لا تزال فيه البنوك المركزية تواجه معضلة الموازنة بين النمو الاقتصادي والسيطرة على الاسعار.

وكشفت التحليلات ان المستثمرين يتجهون حاليا نحو تقصير آجال الاستحقاق في محافظهم لتجنب تقلبات السندات طويلة الاجل. واكد مديرو المحافظ ان السندات قصيرة الاجل توفر عوائد جيدة ومخاطر اقل في ظل استمرار ضبابية المشهد المالي العالمي. وبينت المعطيات ان الثقة في العملة الامريكية وعجز الموازنة اصبحت عناوين رئيسية في نقاشات المستثمرين الذين يراقبون عن كثب تحركات السياسة النقدية والمالية في واشنطن.

وختم المحللون بالتأكيد على ان السندات الامريكية ستظل ركيزة اساسية في النظام المالي العالمي نظرا لعمق السيولة. واضافوا ان التحول الحالي لا يعني نهاية الاستثمار في الديون السيادية بل يعني تغيرا في كيفية استخدامها كأداة للتحوط. واوضحوا ان المستقبل الاستثماري سيعتمد على مدى قدرة الادارة الامريكية على معالجة ملف العجز المالي وتأثير ذلك على منحنى العائد في السنوات القادمة.