يفرض الذكاء الاصطناعي نفسه بقوة على طاولات النقاش داخل البنوك المركزية العالمية، حيث باتت التكنولوجيا الحديثة تشكل محوراً رئيسياً في تقييمات صناع القرار بشأن مستقبل الاقتصاد والتضخم وسوق العمل. وتظهر التقارير الاقتصادية الاخيرة ان محافظي البنوك المركزية يخصصون مساحة واسعة لبحث تداعيات هذا التحول الرقمي خلال المؤتمرات الدولية، رغم ان جداول الاعمال الرسمية قد لا تشير صراحة الى هذه التقنيات.
واكد رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك جون ويليامز ان التكهنات حول استبدال الذكاء الاصطناعي للوظائف البشرية تظل محل جدل واسع، مشدداً على ان الطلب على الكفاءات في مجالات الاقتصاد الكلي سيظل قوياً ومستمراً. واوضح ان التحديات التي تواجه البنوك حالياً تزداد تعقيداً في ظل تزامن صدمات الطاقة العالمية مع تحولات السياسات النقدية وارتفاع عوائد السندات، مما يجعل من تبني التكنولوجيا الجديدة ضرورة حتمية وليس مجرد خيار ثانوي.
وبين ويليامز ان التاريخ الاقتصادي يقدم رؤية متفائلة، حيث اثبتت التجارب السابقة ان الاقتصادات قادرة على استيعاب الطفرات التكنولوجية الكبرى دون الوقوع في فخ البطالة الهيكلية طويلة الامد. واشار الى ان هذه التكنولوجيا قد تمنح البنوك المركزية مرونة اكبر في تحديد اسعار الفائدة، وذلك بفضل المكاسب المتوقعة في مستويات الانتاجية العالمية.
مخاوف من الضغوط التضخمية
واظهرت النقاشات ان حالة التفاؤل ليست مطلقة، حيث حذر رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس ألبرتو موسالم من ان الطلب المتزايد على مراكز البيانات والطاقة الكهربائية ورقائق الذاكرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي يولد بالفعل ضغوطاً تضخمية ملموسة. واضاف ان الرهان على الانتاجية المستقبلية لخفض معدلات التضخم ينطوي على مخاطر غير محسوبة، خاصة مع ضعف الاثر الملحوظ للذكاء الاصطناعي في بيانات الانتاجية الكلية حتى الان.
وشدد موسالم على ضرورة استحضار الدروس التاريخية، مستشهداً بمقولة روبرت سولو الشهيرة حول ثورة الحواسيب التي كانت حاضرة في كل مكان باستثناء احصاءات الانتاجية. واكد ان الحذر مطلوب عند التعامل مع التوقعات المتعلقة بقدرة التكنولوجيا على تحسين الاداء الاقتصادي الكلي على المدى القريب.
وكشفت التحليلات ان سوق العمل يمر بمرحلة انتقالية، حيث اشار رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في كانساس سيتي جيفري شميد الى ان التكنولوجيا بدأت تؤثر بالفعل على قرارات التوظيف الجديدة في العديد من القطاعات. وبين ان التراجع في اعداد الموظفين لا يعود بالضرورة للذكاء الاصطناعي وحده، بل لعوامل اقتصادية اوسع نطاقاً تؤثر على استراتيجيات التوظيف العالمية.
تطبيقات عملية داخل البنوك
واكد محافظ بنك انجلترا أندرو بيلي ان البنوك المركزية لا تكتفي بمراقبة التكنولوجيا، بل بدأت في دمجها داخل عملياتها اليومية. واضاف ان البنك يستخدم حالياً نماذج لغوية متقدمة لتحليل ردود فعل الاسواق تجاه الرسائل والمحاضر الصادرة عن لجنة السياسة النقدية، مما يساعد صناع القرار على فهم التفسيرات المحتملة لقراراتهم قبل طرحها للجمهور.
واشار بيلي الى ان استخدامات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات المالية تتوسع لتشمل البرمجة والنمذجة الاقتصادية المعقدة وتحليل البيانات الضخمة. واوضح ان هذا التوجه يعكس رغبة البنوك في تطوير ادواتها التحليلية لمواكبة تسارع وتيرة الاحداث الاقتصادية العالمية.
واضاف محافظ البنك المركزي الايطالي فابيو بانيتا ان الذكاء الاصطناعي قد يرفع انتاجية الاقتصاد بنسب ملموسة، مما يساعد في تعويض النقص في القوى العاملة الناتج عن تراجع معدلات النمو السكاني. واختتم بالتأكيد على ان الذكاء الاصطناعي اصبح ركيزة اساسية في صياغة السياسات النقدية، حيث توازن البنوك بين تعزيز النمو الاقتصادي وضبط الضغوط التضخمية الناتجة عن هذا التحول التقني الكبير.
