تعيش اروقة الاتحاد الاوروبي حالة من الاستقطاب الحاد حول مستقبل التعامل مع شركات التكنولوجيا الاميركية العملاقة، حيث تبرز تساؤلات جوهرية حول قدرة القارة على تحقيق استقلال رقمي دون التضحية بالشراكات الاقتصادية الاستراتيجية. وتأتي هذه التطورات في وقت تدرس فيه بروكسل قرارات حاسمة لتقييد وصول الشركات الدولية الى مناقصات الحوسبة السحابية الحساسة ومنح الشركات المحلية اولوية في استخدام طيف الاقمار الاصطناعية، مما يعكس رغبة ملحة في بناء سيادة تكنولوجية تواجه هيمنة وادي السيليكون وتحديات الصعود الصيني.
واوضحت التقارير ان هذه التحركات تأتي في ظل انقسام داخلي عميق بين تيار يطالب باجراءات حمائية قوية لبناء قدرات مستقلة، وفريق اخر يبدي تخوفا من رد فعل اميركي قد يضر بالنمو الاقتصادي الاوروبي. واكد المراقبون ان هذا التوجه يهدف الى تعزيز اللاعبين المحليين في قطاع التكنولوجيا، الا ان العجز عن سد الفجوة التقنية يظل العائق الاكبر امام هذه الطموحات في ظل اعتماد القارة المستمر على البنية التحتية الاميركية.
وكشفت التحركات الاوروبية عن مخاوف جيوسياسية متزايدة بشان هشاشة الامن الرقمي، حيث تسعى المفوضية الاوروبية لتعديل قواعد المنافسة لضمان عدم تعرض المعلومات الحساسة للاختراقات الخارجية. واضاف الخبراء ان هذا التوجه يضع بروكسل في موقف دقيق حيث تحاول الموازنة بين حماية سيادتها وبين الحفاظ على تدفق الاستثمارات الاجنبية التي تعد شريان حياة للاقتصاد الاوروبي.
واشنطن تلوح بالتحذير من اجراءات بروكسل
وحذر مسؤولون في الادارة الاميركية من ان اي توجه لفرض قيود عقابية على الشركات الاميركية سيكون خطأ استراتيجيا سيؤدي الى تآكل الثقة في الاستثمارات الخاصة. واكد جيكوب هيلبرغ ان واشنطن تتابع الوضع بدقة، مشددا على ان استهداف الشركات الاميركية سيضر بالنمو الاقتصادي الاوروبي بشكل مباشر، وهو ما يضيف ضغوطا جديدة على المشرعين في بروكسل قبل الكشف المرتقب عن قانون الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي.
وبينت المصادر ان القانون الجديد يسعى الى تقييد وصول عمالقة مثل امازون ومايكروسوفت وغوغل الى عقود المشتريات الحكومية، وهي الشركات التي تسيطر على حصة سوقية ضخمة عالميا. واوضحت ان هذا القانون واجه تأجيلات متكررة نتيجة الصراع بين الرغبة في التحرر التكنولوجي والواقع الذي يفرض الاعتماد على تقنيات هذه الشركات.
وكشفت النقاشات الداخلية عن تباين في الرؤى بين مفوض الصناعة ستيفان سيغورني الذي يدفع نحو سياسة شراء المنتج الاوروبي، وبين مسؤولة التكنولوجيا هينا فيركونين التي تدعو الى قواعد تنظيمية موحدة للجميع. واضاف المطلعون ان كفة فيركونين قد ترجح في نهاية المطاف لتفادي صدمات اقتصادية كبرى.
فجوة تمويلية تهدد استقلال اوروبا الرقمي
واكدت الخبيرة في مكافحة الاحتكار البا ريبيرا مارتينيز ان اوروبا تعاني من هشاشة هيكلية ناتجة عن فجوة استثمارية تصل الى تريليون يورو مقارنة بالولايات المتحدة. واوضحت ان هذه الفجوة تجعل من الصعب على الشركات الاوروبية منافسة العمالقة دون دعم حكومي مكثف او استثمارات ضخمة، مما يضع الاتحاد امام خيار صعب بين الحماية الاقتصادية وبين الانفتاح السوقي.
واضافت بروكسل اجراءات جديدة لتخصيص ترددات الاقمار الاصطناعية، حيث تهدف الى حجز حصة للشركات المحلية مثل دويتشه تليكوم. وبينت ان هذا التوجه يهدف الى تمهيد الطريق لخدمات اوروبية عسكرية وتجارية، مع ترك مساحة محدودة لشركات مثل ستارلينك التابعة لايلون ماسك.
وشددت رابطة صناعة الكمبيوتر والاتصالات على ان اي اقصاء شامل للشركات غير الاوروبية سيؤدي الى وقوع السياسات الرقمية في فخ الحماية الاقتصادية. واكدت ان هذه السياسات قد تحرم المستهلكين الاوروبيين من الوصول الى افضل الخيارات التكنولوجية المتاحة عالميا، مما يزيد من حدة التوتر في العلاقات عبر الاطلسي.
