تشهد اسواق المواشي في العاصمة الليبية طرابلس حالة من الركود في حركة البيع رغم التوافد الكبير للمواطنين على الحظائر في مناطق مثل صلاح الدين وتاجوراء، حيث يكتفي الكثيرون باستطلاع الاسعار بدلا من اتمام عمليات الشراء، وهو ما يعكس تحولا لافتا في سلوك المستهلك الليبي في ظل ضغوط اقتصادية متزايدة.
واظهرت جولة ميدانية ان اسعار الاضاحي الكبيرة كسرت حاجز الستة الاف دينار ليبي، بينما بدأت اسعار الاحجام الصغيرة من الفي دينار، مما وضع العائلات امام خيارات صعبة في ظل تضخم الاسعار وتآكل القدرة الشرائية للعملة المحلية.
وبين مواطنون ان التحدي لم يعد يقتصر على نوعية الاضحية او حجمها، بل اصبح البحث منصبا على ما يناسب الدخل المحدود، حيث اكد البعض ان تأمين الاحتياجات اليومية الاساسية بات يطغى على طقوس شراء الاضحية في هذا الموسم.
ضغوط التكلفة تحاصر المربين
واضاف مربون وتجار ان الارتفاع في الاسعار ليس ناتجا عن جشع، بل هو نتيجة مباشرة لارتفاع تكاليف التربية والنقل والاعلاف، حيث اشار التاجر ايمن الشيخي الى ان نقل الشاحنة الواحدة من شرق البلاد الى غربها يكلف مبالغ طائلة تتجاوز ثلاثة الاف دينار، مما يرفع سعر الرأس الواحد بشكل تلقائي.
واكد تجار ان الخروف البرقاوي لا يزال يتصدر قائمة الطلب في الاسواق الغربية نظرا لجودة مراعيه، موضحين ان غياب الدعم الحكومي الحقيقي للمربين فاقم من صعوبة الموقف، خاصة مع الارتفاع المستمر في اسعار الشعير والمستلزمات البيطرية.
واشار عبد الجليل القماطي الى ان ازمة اللحوم هي انعكاس طبيعي لحالة الاقتصاد الوطني، موضحا ان قطاع الثروة الحيوانية يعاني من نقص في الدعم التشغيلي الذي يضمن استقرار الاسعار للمستهلك النهائي.
ازمة تتجاوز حدود الموسم
واوضح عبد السلام السنوسي الشريف عضو اتحاد الفلاحين ان الازمة تتجاوز مجرد ارتفاع اسعار الاضاحي، فهي ترتبط بتراجع قطاع الانتاج الزراعي والرعوي بالكامل، مبينا ان الانقطاعات المتكررة للكهرباء عطلت مضخات المياه واثرت سلبا على عمليات انتاج الاعلاف المحلية.
واكد ان المربين يضطرون لبيع جزء من حلالهم لتغطية الديون والالتزامات، مما يقلل من هوامش الربح ويهدد استمرارية المهنة، مشددا على ان ما يحدث هو نتيجة مباشرة لاضطراب سلاسل التوريد وارتفاع الدولار والتضخم الذي ينهش السوق الليبي.
وكشفت نقاشات السوق عن وجود فجوة كبيرة بين المربين والمستهلكين، حيث يطالب المواطنون بضرورة تفعيل الرقابة الحكومية لضبط الاسعار ومنع المضاربات التي تزيد من معاناة الاسر مع اقتراب عيد الاضحى.
مبادرات حكومية تحت مجهر الانتقاد
وبينما اعلنت جهات رسمية عن مبادرات لتوفير اضاحي مدعومة، يرى مراقبون ان تأثير هذه الخطوات لا يزال محدودا جدا داخل الاسواق الفعلية، موضحين ان هذه المبادرات قد تضر المنتج المحلي في حال اعتمادها على الاستيراد بالدولار بدلا من دعم المربين الوطنيين.
واضاف خبراء ان الحل الامثل يكمن في شراء الدولة للاضاحي من المربين الليبيين انفسهم وبيعها للمواطنين باسعار مدعومة، وهو ما سيؤدي الى تنشيط الدورة الاقتصادية الداخلية والحفاظ على الثروة الحيوانية من الاندثار.
واكدت المعطيات الحالية ان الاضحية تحولت من شعيرة دينية يحرص الجميع على ادائها الى عبء مالي ثقيل، مما يفرض على العائلات الليبية اعادة ترتيب اولوياتها في ظل ظروف معيشية تزداد تعقيدا يوما بعد يوم.
