تستيقظ هبة عرفات كل يوم لتجد نفسها وافراد اسرتها في زاوية مختلفة عما ناموا فيه وكأن الجاذبية داخل منزلهم قد اختلت تماما، حيث تعيش العائلة داخل مبنى فقد توازنه بفعل القصف المدمر في غزة، مما جعل حياتهم سلسلة من الانزلاقات الليلية المتكررة التي تفرض عليهم ترتيب فراشهم اكثر من مرة قبل بزوغ الفجر.

واوضحت هبة ان هذا الوضع ليس مجرد خلل في التصميم بل هو واقع مفروض عليهم لعدم وجود اي بديل للسكن، حيث اصبح كل تفصيل في يومهم يتطلب مجهودا مضاعفا للحفاظ على التوازن، وسط مخاوف مستمرة من انهيار البناء فوق رؤوسهم في اي لحظة نتيجة تضرر اساساته بشكل جوهري.

وبينت ان العائلة باتت تعاني من اعراض صحية مزمنة كالصداع والدوخة والام المفاصل الناتجة عن العيش في بيئة غير مستوية، حيث تحولت ابسط المهام المنزلية مثل الطهي او شرب الماء الى مغامرة محفوفة بالمخاطر تتطلب تثبيت الاشياء لمنع انزلاقها او سقوطها.

تحديات التوازن في حياة الغزيين

وكشفت هبة ان افراد اسرتها اصيبوا بما يشبه الارباك البصري، فعند النظر من النافذة يتهيا لهم ان البيوت المحيطة مائلة بينما يبدو منزلهم مستقيما، وهو انعكاس لحالة التكيف القسري مع واقع مرير يفضلون فيه البقاء في منازلهم المتصدعة على العودة الى جحيم الخيام الذي جربوه سابقا.

واكد صالح احمد الذي يقطن في مبنى مماثل يضم خمس عائلات يصل عدد افرادها الى خمسين شخصا، ان اللحظات اليومية كالسجود في الصلاة اصبحت معجزة بحد ذاتها، حيث يضطر الجسد لمقاومة ميلان الارضية الذي يصل الى اكثر من متر وعشرين سنتيمترا، مما يجعل الاستقرار الجسدي امرا شبه مستحيل.

واضاف ان النوم في هذا المنزل تحول الى رحلة انزلاق اجبارية، حيث يستيقظ السكان ليجدوا انفسهم في مواضع غير التي بدأوا فيها ليلتهم، موضحا ان هذا التذبذب المستمر يسبب ارهاقا دائما يتطلب وقتا طويلا كل صباح لاستعادة الاحساس الطبيعي بالتوازن قبل بدء الحركة.

مخاطر انشائية تهدد ارواح السكان

وشدد المهندس محمود عبيد المختص في المنشات الهندسية، على ان هذه المنازل فقدت عناصر ارتكازها على التربة، مما يصنفها تقنيا ضمن المباني الايلة للسقوط رغم مظهرها الخارجي الذي قد يخدع البعض، محذرا من ان اهتزازا بسيطا او قصفا قريبا قد يؤدي الى كارثة انسانية محققة.

وبين ان الاثار النفسية للعيش في هذه البيئة تتجاوز المعاناة الجسدية، حيث يؤدي فقدان التوازن المكاني المستمر الى تفاقم حالات القلق والاكتئاب لدى السكان، مشيرا الى ان هذه الظاهرة تشمل مساحات واسعة من القطاع بعد ان دمرت الحرب البنية التحتية والمباني السكنية بشكل ممنهج.

واشار الى ان غياب افق اعادة الاعمار يفاقم من ماساة السكان، خاصة مع وجود اكثر من ثلاثمئة وثلاثين الف وحدة سكنية مدمرة كليا او جزئيا، وهو ما يضع مئات الالاف من المواطنين في مواجهة مباشرة مع خطر الموت تحت الركام في ظل استمرار رفض الاحتلال السماح ببدء عمليات الترميم واصلاح الاضرار.