يواجه النازحون في قطاع غزة فصلا جديدا من المعاناة الإنسانية التي تتجاوز نقص الغذاء والدواء لتصل إلى أزمة حادة في المرافق الصحية الأساسية، حيث اضطر مئات الآلاف من الفلسطينيين إلى ابتكار حلول بدائية ومتهالكة لتلبية احتياجاتهم اليومية وسط ظروف معيشية بالغة القسوة، ويشير واقع الحال في المخيمات المترامية الأطراف إلى أن غياب المراحيض المناسبة تحول إلى معركة يومية للحفاظ على الكرامة الشخصية والخصوصية في ظل انعدام البنية التحتية.
وكشف مصطفى شعبان، وهو أحد النازحين في مدينة خان يونس، أن خيمته البسيطة باتت تضم مرحاضا مؤقتا قام بحفره في التربة الرملية وتثبيت مقعد بلاستيكي متهالك فوقه، موضحا أن هذا الإجراء على الرغم من افتقاره لأدنى معايير النظافة، يظل الخيار الوحيد لتجنب استخدام المراحيض العامة التي يتقاسمها مئات الأشخاص في طوابير طويلة ومهينة، واضاف أن الرائحة الكريهة وانتشار الحشرات باتا جزءا من حياة عائلته اليومية التي تحاول التأقلم مع هذا الواقع المرير.
واكد النازحون أن الشعور بالعار والإهانة يرافقهم في كل لحظة يقضونها داخل هذه المرافق البدائية، مبينا أن النساء والفتيات هن الأكثر تضررا من هذا الوضع، حيث تضطر العائلات إلى بناء حواجز من القماش الرقيق أو الألواح المعدنية لا توفر أي حماية حقيقية، وشدد الأهالي على أن هذا الكابوس الصحي يهدد بانتشار الأوبئة والأمراض الجلدية بين الأطفال الذين يعيشون في بيئة ملوثة بمياه الصرف الصحي.
واقع صحي كارثي داخل مراكز الإيواء
واوضح تقرير ميداني أن غياب التخطيط الصحي في مدن الخيام أدى إلى تفاقم الأزمة، خاصة مع انهيار أكثر من 80% من محطات ضخ مياه الصرف الصحي نتيجة العمليات العسكرية المستمرة، وبينت إيمان منصور، وهي أم نازحة، أن توفير مرحاض نظيف أصبح يتصدر قائمة الأولويات التي تسبق أحيانا الحاجة إلى الطعام، مشيرة إلى أنها تضطر إلى غسل أطفالها في ظروف تفتقر لأبسط مقومات النظافة الشخصية.
واضافت أن بناء مرحاض ولو كان بدائيا يتطلب تكاليف باهظة تفوق قدرات النازحين المالية، حيث يضطر الكثيرون إلى شراء أنابيب ومواد بناء تتفتت سريعا، وذكرت أن أسعار المقاعد الخزفية وصلت إلى مستويات تعجيزية، مما يجبر العائلات على استخدام الدلاء المثقوبة أو القرفصاء فوق حفر عشوائية تفيض بمياه الصرف بشكل مستمر، واكدت أن هذه الابتكارات لا تحمي من الروائح أو الأمراض لكنها تظل محاولة بائسة للتمسك ببعض الخصوصية.
وكشفت الجولات الميدانية في المخيمات عن وجود ورش عمل صغيرة داخل الخيام تقوم بتصنيع ألواح معدنية لتسهيل تنظيف الحفر المحيطة بالمراحيض، مبينا أن النازح خالد كلاب يضطر يوميا إلى تنظيف مجاري الصرف بجوار خيمته يدويا، واضاف أن طفلته الصغيرة تعاني من تقرحات جلدية واضحة، معبرا عن ألمه الشديد من هذا الوضع الذي وصفه بأنه انتهاك صارخ للكرامة الإنسانية في ظل صمت دولي عن تلبية الاحتياجات الأساسية للنازحين.
