تجاوزت تداعيات العدوان الاخير على قطاع غزة هدم المنازل والبنية التحتية لتطال شريان الحياة الاكثر حيوية للشباب وهو قطاع التكنولوجيا والريادة الرقمية. واكدت التقارير الميدانية ان حاضنة يوكاس التكنولوجية التابعة للكلية الجامعية للعلوم التطبيقية تحولت الى ركام بعد استهداف مقرها الرئيسي في حي تل الهوى. واظهرت المعطيات ان هذا التدمير لم يقتصر على الجدران بل طال منظومة متكاملة من البرامج التدريبية والشركات الناشئة التي كانت تمثل نافذة امل لمئات الخريجين الباحثين عن فرص عمل في سوق العمل الحر.
واضاف القائمون على الحاضنة ان حجم الخسائر شمل مختبرات متطورة ومراكز ابحاث كانت تشكل بيئة حاضنة للمبدعين الفلسطينيين. وبينت الاحصاءات الاولية ان نسبة كبيرة من الشركات الناشئة فقدت مقراتها واجهزتها مما ادى الى تعطل المسار المهني لجيل كامل من المبرمجين والمصممين. واشار خبراء في المجال التقني الى ان فقدان هذه البنية التحتية يمثل ضربة قاسية للاقتصاد الرقمي الذي كان يشهد نموا ملحوظا قبل اندلاع الاحداث الاخيرة.
واكد مدير الحاضنة عبد الله الطهراوي ان المؤسسة سعت منذ تاسيسها الى الاستثمار في العقول الفلسطينية لتعزيز ثقافة الريادة في ظل الحصار. واوضح ان الحاضنة دعمت خلال مسيرتها اكثر من 500 شاب وشابة في مجالات تكنولوجيا المعلومات والتصنيع الابداعي والتجارة الرقمية. وشدد على ان الهدف كان ولا يزال تحويل الافكار البسيطة الى مشاريع منتجة تضمن دخلا مستقرا للشباب في بيئة اقتصادية بالغة التعقيد.
استراتيجيات التعافي واعادة البناء
وبين الطهراوي ان خطة التعافي بدات بالفعل من خلال استعادة البرامج الاساسية واطلاق مساحات عمل جديدة تستهدف اكثر من 100 مستفيد في مرحلتها الاولى. واضاف ان الحاضنة تعمل على تجاوز التحديات المادية والبشرية رغم فقدان بعض الكوادر المبدعة التي استشهدت او نزحت خلال الحرب. وكشفت التقييمات ان اكثر من 95 بالمئة من البيئات التشغيلية للشركات الناشئة باتت غير صالحة للعمل مما يتطلب تكاتف الجهود لاعادة تاهيل البنية التقنية من جديد.
واشار المهندس محمد الصفدي المشرف على مشروع اي لانسر الى ان الاصرار على استمرار التدريب ينبع من قناعة راسخة بان الكفاءات الرقمية هي المحرك الاساسي للنهوض بالاقتصاد المحلي. ووضح ان المشروع يركز على تزويد الشباب بمهارات البرمجة وتطوير تطبيقات الويب لتمكينهم من المنافسة في الاسواق الدولية. واكد ان العزيمة لدى الشباب الفلسطيني لا تزال قوية رغم فقدان المختبرات والحواسيب الشخصية التي كانت ادواتهم الرئيسية للعمل.
واوضحت الطالبة ثراء الشريف ان المشاركة في البرامج التقنية منحتها فرصة حقيقية لتعلم آليات العمل الحر وتجاوز عقبات الواقع الميداني. واضافت ان التدريب لم يكن مجرد دروس نظرية بل كان مسارا مهنيا متكاملا يربط المتدربين بفرص عمل حقيقية عبر المنصات الرقمية. وشددت على ان هذه المهارات اصبحت سلاحها الوحيد لمواجهة الظروف الاستثنائية التي يمر بها قطاع غزة.
تمكين الفئات المتضررة
وكشفت منسقة برامج التمكين الاقتصادي امينة حمو عن اطلاق مبادرات نوعية تستهدف الفتيات اليتيمات لتدريبهن على حرف مهنية وتصاميم عصرية. واكدت ان مشروع جواري الرسول يهدف الى تحويل الطالبات الى عناصر فاعلة في المجتمع من خلال توفير المعدات والتدريب المهني المجاني. وبينت ان النتائج الاولية للمشروع اظهرت قدرة كبيرة لدى المشاركات على الاندماج في سوق العمل وتوفير دخل لاسرهن.
واضافت الطالبة بيان الشرفا ان تجربتها في التدريب المهني غيرت مسار حياتها بشكل جذري ومنحتها الثقة للبدء بمشروعها الخاص في مجال الخياطة والتطريز. واكدت ان المهارات التي اكتسبتها مكنتها من تحويل افكارها الى منتجات قابلة للتسويق رغم ندرة الموارد. واوضحت ان الامل في بناء مستقبل افضل يظل المحرك الرئيسي لكل الشباب الذين يرفضون الاستسلام لواقع الدمار.
وختاما تبدو حاضنة يوكاس نموذجا للصمود الفلسطيني الذي يربط بين بناء الانسان واعادة اعمار الحجر. واكد القائمون عليها انهم ماضون في مسيرتهم لتمكين الشباب من امتلاك ادوات التكنولوجيا الحديثة كسبيل وحيد للتغلب على التحديات الوجودية. وبينت هذه التجربة ان روح الابتكار في غزة قادرة على الانبعاث من تحت الركام مهما بلغت قسوة الظروف.
