تشهد الساحة الاقتصادية في الاردن تحولا لافتا تقوده نساء قررن كسر قيود البطالة عبر اطلاق مشاريع منزلية صغيرة تحولت بمرور الوقت الى قصص نجاح ملهمة. تعتمد هذه المبادرات على المهارات الفردية في مجالات متنوعة بدءا من الطبخ التراثي ووصولا الى الحرف اليدوية الدقيقة التي تجد طريقها اليوم نحو الاسواق المحلية والخارجية. وتعد هذه الخطوات بمثابة طوق نجاة لآلاف الاسر التي تسعى لتعزيز دخلها المادي في ظل تحديات سوق العمل التقليدي.
واظهرت التقديرات الاخيرة ان معدلات البطالة بين النساء في المملكة لا تزال تشكل تحديا كبيرا حيث تتجاوز نسبتها حاجز الثلاثين بالمئة مما دفع الكثيرات للبحث عن مسارات بديلة تعتمد على المبادرة الشخصية. وبينت الاحصاءات ان الاعتماد على الاقتصاد الصغير اصبح ركيزة اساسية تستند اليها العديد من العائلات لتأمين متطلبات المعيشة وتجاوز فجوة الوظائف المتاحة في القطاعين العام والخاص. واكدت الخبيرات ان هذه المشاريع لم تعد مجرد هواية بل اصبحت كيانات انتاجية تساهم بفعالية في تحريك عجلة الاقتصاد المحلي.
واوضحت العديد من السيدات اللواتي خضن هذه التجربة ان منصات التواصل الاجتماعي لعبت دورا محوريا في تسويق منتجاتهن والوصول الى شريحة واسعة من المستهلكين دون الحاجة الى استئجار محلات تجارية مكلفة. واضافت المبادرات ان الشغف بالمهنة والالتزام بجودة المنتج كانا العاملين الاساسيين في بناء ثقة الزبائن واستمرار الطلب على هذه الخدمات والسلع اليدوية. وشددت المشاركات على ان الاستقلالية المالية التي يحققها العمل المنزلي تمنح المرأة الاردنية ثقة مضاعفة وقدرة على التخطيط لمستقبل اكثر استقرارا.
من التقاعد الى مشاريع منتجة
وكشفت نماذج نسائية رائدة ان التقاعد او عدم الحصول على وظيفة لم يكن يوما نهاية المطاف بل كان بداية لمرحلة من الابداع والانتاج المنزلي. وقالت سيدة عملت لسنوات في قطاع التعليم انها قررت استثمار خبرتها في اعداد الاطباق الشعبية التراثية لتصل نكهات الاجداد الى كل بيت اردني. وبينت ان الطلبات المتزايدة من داخل المملكة وخارجها تؤكد ان الهوية الثقافية للمأكولات الاردنية تمثل منتجا اقتصاديا قابلا للتسويق والنمو.
واضافت ان استخدام الادوات التقليدية في الطبخ مع دمج تقنيات التسويق الحديثة خلق مزيجا نجح في جذب فئات مختلفة من الزبائن الباحثين عن الاصالة والجودة. واكدت ان الرسالة التي تحملها هذه المشاريع تتجاوز الربح المادي لتصل الى تعزيز قيم الاعتماد على الذات بين جيل الشباب. واشارت الى ان الدعم العائلي والاصرار على تجاوز الصعوبات كانا الوقود الذي دفع هذه المشاريع للنمو والانتشار.
وتابعت ان التوسع في الانتاج تطلب تطوير مهارات تقنية جديدة في ادارة الحسابات والتواصل مع العملاء عبر الانترنت. واوضحت ان النجاح في هذا المجال يتطلب نفسا طويلا وقدرة على مواكبة تطورات السوق واحتياجاته المتغيرة. واشارت الى ان التحدي الاكبر يكمن في كيفية الحفاظ على هوية المنتج مع زيادة حجم الطلب اليومي.
ابداع يكسر حاجز التقليد
وتوجهت فئة اخرى من النساء نحو الفنون الحرفية مثل المكرميات والمنسوجات اليدوية التي تعتمد على الذوق الرفيع والمهارة الفنية. وقالت مهندسة معمارية انها استبدلت أدوات الرسم التقليدية بخيوط المكرمية لتنتج قطعا فنية تزين المنازل وتلبي رغبات الباحثين عن الديكورات اليدوية الفريدة. وبينت ان هذا الفن اصبح وسيلة للتعبير عن الذات ومصدرا متميزا للدخل يجمع بين الفن والعمل.
واضافت ان دمج التخصص الهندسي مع الحرف اليدوية ساهم في ابتكار تصاميم معقدة وجذابة لاقت رواجا واسعا على منصات البيع الرقمية. واكدت ان العمل في هذا المجال يمنحها مرونة عالية في ادارة وقتها بين مسؤولياتها الاسرية وطموحها المهني. وبينت ان التحدي في هذا القطاع يكمن في الحفاظ على طابع التفرد لكل قطعة منتجة يدويا.
واوضحت ان المستقبل يحمل فرصا واعدة لتطوير هذه الحرف لتصبح صناعات منزلية متكاملة تساهم في التصدير للخارج. واضافت ان ورش العمل التدريبية التي تقيمها لغيرها من الفتيات تهدف الى نشر ثقافة العمل الحر والابداع اليدوي. وشددت على ان التكنولوجيا جعلت من العالم سوقا مفتوحة لكل من يملك مهارة حقيقية قابلة للتطور.
تحديات وطموحات في سوق متغير
ورغم النجاحات الملحوظة لا تزال هناك عقبات تواجه صاحبات المشاريع الصغيرة مثل محدودية التمويل وصعوبة الوصول الى الاسواق الكبرى. وقالت رائدة اعمال شابة ان المنافسة الرقمية تتطلب ميزانيات اعلانية كبيرة مما يضع المشاريع الناشئة امام تحديات حقيقية للوصول الى الجمهور. وبينت ان الوعي بضرورة الحصول على تراخيص رسمية وتطوير خطط عمل واضحة اصبح ضرورة لا غنى عنها للنمو.
واضافت ان الجهات الداعمة بدأت تلتفت الى اهمية الاقتصاد الصغير وقدرته على توفير آلاف الفرص الوظيفية للنساء في مختلف المحافظات. واكدت ان توفير مساحات عرض مشتركة ودورات تدريبية متخصصة في الادارة المالية سيعزز من استدامة هذه المشاريع. وبينت ان المستقبل يبدو مشرقا مع تزايد اقبال المجتمع على دعم المنتجات المحلية الصنع.
وختمت الرائدات بأن الاقتصاد الاردني يمتلك طاقة كامنة في منازل النساء اللواتي يثبتن يوما بعد يوم ان العمل الجاد لا يعرف المستحيل. واكدت ان التوجه نحو الاقتصاد المنزلي ليس مجرد ضرورة اقتصادية بل هو تحول اجتماعي نحو تمكين المرأة وتعزيز دورها كشريك فاعل في عملية التنمية الوطنية.
