يبدو الرد الايراني الاخير على التحركات العسكرية الاسرائيلية في لبنان وكأنه مغامرة غير محسوبة قد تجر المنطقة نحو صراع شامل ومفتوح، لكن الواقع داخل مراكز القرار في طهران يشير الى تبني عقيدة عسكرية جديدة تعتمد على الهجوم بدلا من الدفاع. ويرى المراقبون ان القيادة الايرانية الجديدة باتت تؤمن بان الرد المباشر والقوي هو الضمانة الوحيدة للبقاء وتثبيت اوراق القوة في مواجهة خصوم يتفوقون عليها تقنيا وعسكريا.

واوضح الخبير في الشأن الايراني اوميد ميماريان ان طهران تسعى من خلال هذه الخطوات الى استعراض قدراتها العسكرية واثبات ان خيار التصعيد يظل قائما على الطاولة في حال تجاوزت اسرائيل الخطوط الحمراء المرسومة. واضاف ان الرسالة الايرانية موجهة بشكل مباشر للفاعلين الاقليميين والدوليين بان سياسة ضبط النفس التي اتسمت بها المرحلة السابقة قد انتهت فعليا.

وبين ان العقد الماضي شهد تحولا في سلوك طهران الذي كان يتسم بالحذر الشديد، حيث كانت الردود الايرانية محدودة ومحسوبة بدقة لتجنب الانزلاق الى مواجهة كبرى، وهو ما ظهر جليا في التعامل مع احداث سابقة حيث اكتفت ايران بردود رمزية لا ترقى الى مستوى التهديدات التي تلقتها.

عقيدة عسكرية جديدة تتجاوز الحدود

واكد صادق لاريجاني رئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام ان التحرك العسكري الايراني دفاعا عن الحلفاء في لبنان لم يكن مجرد رد فعل عابر، بل هو اعلان رسمي عن عقيدة استراتيجية جديدة تتجاوز الجغرافيا. واشار الى ان اي هجوم يستهدف مكونات ما يعرف بمحور المقاومة سيقابل برد يتخطى الحدود القائمة ويغير موازين القوى في المنطقة بشكل جذري.

وكشفت التحركات الاخيرة ان طهران تحاول ترميم صورتها التي اهتزت بعد سلسلة الضربات التي تلقتها خلال الفترة الماضية، والتي ادت الى اضعاف حلفائها الاقليميين بشكل كبير. واوضحت ان الحكام الجدد في ايران يعتبرون ان تبني نهج هجومي يمثل نجاحا استراتيجيا مكنهم من الحفاظ على تماسكهم الداخلي رغم الضغوط الخارجية.

وشدد خبراء في الشؤون الامنية على ان هذا التصعيد يمنح ايران ادوات ضغط اضافية، لا سيما في ظل سيطرتها على ممرات مائية حيوية مثل مضيق هرمز، مما يضع الاقتصاد العالمي تحت طائلة التهديد المباشر في حال تطور الصراع. واضافوا ان طهران تراهن على ان الادارة الامريكية الحالية تفضل الحلول الدبلوماسية وتجنب الدخول في حرب اقليمية واسعة النطاق.

اختبار الفجوة بين واشنطن وتل ابيب

وبين المحللون ان ايران تستغل بذكاء الفجوة الموجودة في الرؤى بين واشنطن وتل ابيب، حيث تضغط على الادارة الامريكية لاحتواء السياسات الاسرائيلية التي تراها طهران محاولة لاعادة رسم الوقائع على الارض. واضافوا ان الدفاع عن حزب الله ليس مجرد استعراض للقوة، بل هو ضرورة استراتيجية لمنع اسرائيل من الانفراد بالحلفاء واحدا تلو الاخر.

واكد الباحث حميد رضا عزيزي ان طهران ترى في الهجمات الاسرائيلية جزءا من مخطط اكبر يهدف الى تقويض النفوذ الذي حققته ايران خلال سنوات الحرب الماضية. واشار الى ان القيادة الايرانية تعتقد ان واشنطن تستخدم مفاوضات وقف اطلاق النار كغطاء لتغيير المعادلات الميدانية بما يخدم المصالح الامريكية والاسرائيلية.

واوضحت التقارير ان ايران باتت اكثر ثقة في قدرتها على احتواء اي رد فعل مضاد، معتمدة على حسابات ترى ان الازمات الاقتصادية والانتخابات الداخلية في الولايات المتحدة ستمنع واشنطن من الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة معها. واضافت ان المشهد الحالي يعكس مرحلة جديدة من الصراع حيث تتبادل الاطراف الرسائل بالنيران لاختبار حدود الصبر والتحمل لدى الخصوم.