تشهد الساحة المالية الدولية نقاشات محتدمة حول مستقبل الدولار الامريكي في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية ومساعي قوى اقتصادية كبرى لتقليص الاعتماد على العملة الامريكية في المعاملات الدولية. وكشف المحلل الاقتصادي ديفيد رونيكل ان الحديث عن انهيار مفاجئ للدولار يفتقر الى الدقة التاريخية والواقعية الاقتصادية. واكد رونيكل ان العملة الامريكية قد تشهد تراجعا تدريجيا في نفوذها العالمي لكنها بعيدة كل البعد عن السقوط الفجائي الذي يتوقعه البعض.
واوضح ان الانقسام في الاراء الاقتصادية يتركز بين من يرى اقتراب نقطة التحول نحو نظام متعدد العملات وبين من يراهن على قوة المؤسسات الامريكية في الحفاظ على الصدارة. وشدد على ان كلا الطرفين يتجاهلان الدروس المستفادة من تاريخ العملات المهيمنة التي سبقت الدولار في قيادة الاقتصاد العالمي.
وبين ان مسار الجنيه الاسترليني خلال القرن التاسع عشر يمثل نموذجا حيا لكيفية انتقال القوة المالية. واضاف ان بريطانيا العظمى ظلت تحتفظ بنفوذ عملتها لعقود طويلة بعد بدء تراجع قوتها العسكرية والتجارية مما يؤكد ان هيمنة العملات لا تنتهي بانهيارات سريعة.
دروس من التاريخ المالي
واشار رونيكل الى ان بريطانيا كانت تسيطر على نحو ثلاثين بالمئة من التجارة العالمية في ذروة قوتها. واضاف ان معظم المعاملات الدولية كانت تتم بالجنيه الاسترليني في ذلك الوقت. واكد ان انتقال مركز الثقل المالي الى الدولار استغرق وقتا طويلا جدا حتى بعد تراجع النفوذ البريطاني.
واوضح ان تجربة الاسترليني تثبت ان هيمنة العملة ترتبط بشبكة معقدة من المصالح المالية العالمية. وبين ان التاريخ يعيد نفسه في مسارات بطيئة لا تدركها العين الا بعد مرور عقود من الزمن. واضاف ان النظام المالي العالمي ليس مهيأ لتغيير جذري فوري ومفاجئ.
وكشفت التحليلات ان الدولار لا يزال يحتفظ بمكانته رغم ظهور منافسين اقوياء. واكد رونيكل ان وجود بدائل مثل اليورو والرنمينبي الصيني لا يعني غياب الدولار بل يعني تآكل حصته السوقية تدريجيا. واضاف ان التنوع في احتياطيات البنوك المركزية اصبح واقعا ملموسا في الاقتصاد الحديث.
تحديات الهيمنة في العصر الحديث
واظهرت البيانات ان حصة الدولار من احتياطيات النقد الاجنبي تراجعت من خمسة وسبعين بالمئة الى اقل من ستين بالمئة خلال ربع قرن. واضاف ان اليورو استطاع الحفاظ على حصة مستقرة تقارب العشرين بالمئة. واكد ان قدرة الصين ومنطقة اليورو على تعزيز سيولة اسواقهما المالية ستحدد سرعة التحول في المستقبل.
واوضح المحلل ان التكنولوجيا والعملات المستقرة لا تكفي وحدها لحماية الهيمنة الامريكية. وشدد على ان الثقة والمصداقية المالية والقدرة على توفير اصول امنة هي الركائز الاساسية لاستمرار العملة. واضاف ان المستثمرين يبحثون دائما عن الملاذات التي تضمن لهم الحفاظ على قيمة اصولهم.
وبين رونيكل ان تراجع الاسهم الامريكية وارتفاع عوائد السندات في فترات التوتر يعكس ضغوطا حقيقية على الدولار. واضاف ان العوامل التي ادت الى افول نجم الاسترليني بدأت تظهر ملامحها في الحالة الامريكية. واكد في نهاية تحليله ان العالم يتجه نحو واقع مالي جديد يتسم بتعدد الاقطاب النقدية مع استمرار الدولار كلاعب رئيسي لفترة طويلة قادمة.
