كشفت كواليس السياسة الاميركية الاسرائيلية عن تحول جذري في العلاقة بين بنيامين نتنياهو والرؤساء الاميركيين على مدار ثلاثة عقود، حيث تحول رئيس الوزراء الاسرائيلي من الشخصية التي كانت تتحدى هيبة البيت الابيض وتثير غضب الرؤساء بتبجحها الى حليف يبدو اكثر خضوعا وتماهيا مع املاءات دونالد ترمب. واظهرت الوثائق والشهادات التاريخية ان بيل كلينتون كان اول من صدم بهذا السلوك عندما تساءل بغضب عن هوية الرئيس الحقيقي للدولة العظمى، في اشارة الى غرور نتنياهو وتجاوزه للاعراف الدبلوماسية المعتادة بين الحلفاء.
واكدت الوقائع ان نتنياهو لطالما استغل خبرته الطويلة في الداخل الاميركي لفرض رؤيته الخاصة، الا ان هذا النهج اصطدم بجدران صلبة مع رؤساء مثل اوباما الذي عاقب السياسات الاستيطانية، وبايدن الذي اختلف معه سياسيا رغم الدعم العسكري الكبير خلال حرب غزة. وبينت التقارير ان نتنياهو حاول دائما تصوير نفسه كزعيم لا يحتاج الى واشنطن، بينما كانت الحقائق تشير الى اعتماد اسرائيل المطلق على الدعم الاميركي في كافة المجالات الاستراتيجية.
واوضح مراقبون ان المشهد تغير تماما مع عودة ترمب الى السلطة، حيث لم يعد نتنياهو ذلك الزعيم الواثق الذي يلقي المحاضرات السياسية، بل بات يبحث عن طوق نجاة من ازماته القضائية والسياسية عبر الانصياع لرؤية ترمب الاقليمية. وشدد محللون على ان العلاقة الحالية تختلف جوهريا عن السابق، حيث انتقلت من التنسيق التقليدي الى شراكة تفرض فيها واشنطن اجندتها بشكل علني وصريح على تل ابيب.
تحولات في موازين القوى والتبعية السياسية
وبينت الاحداث الاخيرة ان ترمب لا يكتفي بالدعم بل يفرض قيودا واضحة، حيث وصل الامر الى توجيهات مباشرة بشأن ادارة الحرب مع ايران والتعامل مع الملفات القضائية الداخلية في اسرائيل. واضافت المصادر ان هناك استياء اميركيا من ضعف نتنياهو الشخصي، حيث يرى ترمب ان هذا الضعف يعيق تحقيق اهدافه الكبرى في المنطقة، مما دفع الادارة الاميركية للضغط من اجل تحجيم المعارضة الاسرائيلية وتقوية موقف نتنياهو انتخابيا.
واشار خبراء سياسيون الى ان هذا الارتهان للقرار الاميركي اثار عاصفة من الانتقادات داخل اسرائيل، حيث اتهمت المعارضة نتنياهو بتحويل البلاد الى دولة وصاية ترضخ للاملاءات الخارجية. واكدت هذه الاصوات ان السيادة الاسرائيلية اصبحت على المحك في ظل هذا التداخل الكبير بين المصالح الشخصية لنتنياهو والسياسة الخارجية الاميركية.
واوضحت التحليلات ان ترمب يطمح الى استخدام نتنياهو كاداة لتنفيذ مشاريع اقليمية طموحة، مقابل توفير حماية سياسية وقضائية تمنع انهيار حكومة اليمين. واضافت ان الزيارات المتبادلة والخطط المشتركة تعكس رغبة اميركية في تحويل اسرائيل الى حليف استراتيجي منضبط تماما، بعيدا عن حالات التمرد التي ميزت علاقة نتنياهو بالادارات الديمقراطية السابقة.
مستقبل العلاقات بين واشنطن وتل ابيب
وذكرت تقارير ان نتنياهو يجد نفسه اليوم في وضع لا يحسد عليه، حيث يضطر لتقديم تنازلات سياسية قاسية مقابل استمرار الدعم الاميركي الذي يعده الضمانة الوحيدة لبقائه في السلطة. وبينت ان هذا الثمن السياسي الباهظ قد يغير وجه الخريطة السياسية في اسرائيل مستقبلا، خاصة في ظل رفض الشارع الاسرائيلي لفكرة التبعية المطلقة للقرار الاميركي.
واكدت التحليلات ان ترمب لا يزال يرى في نتنياهو حليفا ضروريا لكنه يحتاج الى اعادة هيكلة، حيث يسعى الرئيس الاميركي لتقوية موقع نتنياهو لضمان تنفيذ اجندته في الشرق الاوسط، مع تلويحه بدعم علني في الانتخابات القادمة. واضافت ان العلاقة بين الطرفين لم تعد علاقة ندية، بل اصبحت علاقة قائمة على موازين قوى جديدة تفرضها واشنطن بقوة الامر الواقع.
وخلصت القراءات السياسية الى ان نتنياهو، الذي بدأ مسيرته متحديا لكلينتون، ينتهي به المطاف باحثا عن الرضا في حضرة ترمب، مما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الاستقلالية في القرار الاسرائيلي. وبينت ان المرحلة المقبلة ستشهد مزيدا من التداخل بين المصالح الاميركية والداخل الاسرائيلي، مما قد يفاقم الانقسام السياسي ويضع نتنياهو في مواجهة مباشرة مع معارضيه الذين يرون في هذا التحالف خطرا على هوية الدولة.
