لا يمثل الاتفاق السياسي الاخير لفتح مضيق هرمز نهاية فورية للمتاعب التي تواجه سلاسل الامداد العالمية، اذ ان خلف اضواء ملفات الطاقة والنفط تبرز ازمة صامتة تتعلق بشحنات الاسمدة واليوريا العالقة التي تنتظر اشارة العبور. وتكشف المعطيات الميدانية ان المسافة بين توقيع الاتفاق واستئناف الحركة الفعلية للسفن لا تزال بعيدة، حيث يواجه مالكو ناقلات المواد الغذائية والزراعية سياجا من الغموض والتعقيدات التشغيلية التي تفرضها سلامة الملاحة في الممر المائي الاكثر حيوية في العالم.
واكد خبراء الملاحة ان اهمية مضيق هرمز تتجاوز كونه معبرا نفطيا، فهو الشريان اللوجستي الاساسي للامن الغذائي العالمي الذي يعتمد على تدفقات البوتاسيوم والبتروكيميائيات. وتعتمد دول الخليج بشكل رئيسي على هذا المسار لتصدير منتجاتها الزراعية، بينما تترقب الاسواق العالمية مصير اكثر من 80 في المئة من الاحتياجات الغذائية التي تمر عبر هذا الممر الحيوي، مما يجعل مرحلة ما بعد الاتفاق اختبارا حقيقيا لقدرة الموانئ على استيعاب التكدس الحاصل.
وبينت بيانات شركة كبلر لتتبع الناقلات ان اكثر من 40 سفينة محملة بنحو مليون طن من الاسمدة لا تزال محتجزة خلف المضيق منذ اشهر، مما ادى الى تراجع الصادرات الاسبوعية بنسبة 90 في المئة. واوضحت الارقام ان حركة السلع الجافة اصيبت بشلل شبه تام، حيث انخفضت الشحنات من 600 الف طن اسبوعيا الى نحو 60 الف طن فقط، وهو ما يعكس حجم الازمة التي تضرب القطاع الزراعي من اسيا وصولا الى امريكا اللاتينية.
طابور الانتظار وتحديات الاولويات
واوضح الخبراء ان الاسمدة الخليجية تشكل نحو 15 في المئة من الامدادات العالمية، واي تأخير في وصولها يسبب تأثيرا متدحرجاً يرفع تكاليف الانتاج الزراعي عالميا. واشار المتابعون للمشهد الى ان الهند تعد المتضرر الاكبر، حيث تقطعت السبل بـ 16 سفينة محملة باليوريا وفوسفات الامونيوم، مما دفع نيودلهي لطرح مناقصات طارئة لتأمين احتياجات موسم المحاصيل الصيفي في ظل عدم اليقين بشأن مواعيد وصول الشحنات العالقة.
واكد المحللون ان اولوية العبور بمجرد فتح المضيق ستكون لناقلات النفط والغاز المسال، مما يضع شحنات الاسمدة في مرتبة ثانية من حيث الاهمية الاستراتيجية للتشغيل. واضاف المختصون ان المعايير التي ستحكم ترتيب عبور السفن ستشمل غرامات التأخير وحالة البضائع، مع ترجيح تطبيق نظام موجات عبور يضم دفعات من 8 الى 12 سفينة لتوزيع الضغط التشغيلي ومنع حدوث اختناقات اضافية في موانئ الوصول.
وشدد الخبراء على ان التحدي لا يقتصر على المضيق نفسه، بل يمتد الى قدرة الموانئ في الهند وشرق افريقيا على استقبال هذه الكميات الضخمة دفعة واحدة. واشاروا الى ان الشحنات عالية الخطورة مثل الامونيا ستظل تحت رقابة مشددة، بينما ستسعى شركات الشحن الى موازنة جداول الابحار لتجنب تكدس السفن الذي قد يمدد زمن الانتظار لايام اضافية.
تكاليف التأمين واعادة تشكيل التنافسية
وكشفت التقارير ان اقساط التأمين البحري قفزت بنسب تتراوح بين 300 و600 في المئة، مما اضاف نحو 40 دولارا لتكلفة الطن الواحد من الاسمدة. واوضح المحللون ان هذا الارتفاع قلص الميزة التنافسية للمنتج الخليجي مؤقتا امام نظيره الروسي والمغربي، ودفع الشركات المصدرة الى اعادة توجيه بوصلتها نحو الاسواق الاقرب والاكثر استقرارا بدلا من الاسواق البعيدة في امريكا اللاتينية.
واضاف الخبراء ان التكلفة الكلية للوصول ارتفعت بما يصل الى 25 في المئة، مما فرض ضغوطا على هوامش الربح للمنتجين. واكدوا ان المنافسة في قطاع الاسمدة تحولت من التركيز على سعر المنتج الى كفاءة الوصول، رغم ان المنتج الخليجي لا يزال يحتفظ بتنافسية هيكلية بفضل انخفاض تكاليف الانتاج التي تتراوح بين 25 و35 في المئة مقارنة بالمنافسين.
وبينت التحليلات ان سوق الاسمدة يعاني من مفارقة سعرية، حيث تبخرت علاوة الحرب مبكرا مع زيادة المعروض الصيني وانتهاء موسم الزراعة في نصف الكرة الشمالي، مما يضع ضغوطا هبوطية على الاسعار. وحذر الخبراء من ان وصول مليون طن من الاسمدة العالقة دفعة واحدة الى الاسواق قد يؤدي الى تراجع الاسعار بشكل حاد، وهو ما قد يفيد المزارعين لكنه يضغط على ربحية الشركات المصدرة.
مستقبل سلاسل الامداد بعد الانفراجة
واكد المختصون ان الاتفاق السياسي المعلن يمثل بداية لمخاض لوجستي اكثر تعقيدا، حيث ستحتاج السفن التي غيرت مساراتها لفترة تتراوح بين 6 و9 اشهر لاستعادة استقرارها الملاحي. واضافوا ان العقود البديلة التي ابرمت خلال فترة الازمة تتطلب اعادة توازن معقدة، مما يجعل المرحلة الحالية هي الاصعب تشغيليا في تاريخ سلاسل امداد الاسمدة الحديث.
وشدد الخبراء على ان الموانئ الاسيوية التي تعمل حاليا بطاقة تصل الى 90 في المئة ستواجه تداخلا حادا في مواعيد الوصول، مما يهدد بظهور نقاط اختناق جديدة. واكدوا في ختام تحليلاتهم ان الانفراجة السياسية لا تعني العودة للوضع الطبيعي، بل هي عملية اعادة تشكيل عميقة لسلاسل الامداد العالمية وفق منطق جديد يوازن بين المخاطر والكفاءة التشغيلية.
