تواجه افريقيا تحديات اقتصادية متزايدة في ظل استمرار تعثر التفعيل الكامل لاتفاقية منطقة التجارة الحرة القارية رغم مرور سنوات على توقيعها. كشفت تقارير اقتصادية حديثة ان القارة تفوت فرصا تاريخية للنمو والتكامل التجاري بسبب بطء الاجراءات والالتزام السياسي المحدود. واظهرت التقديرات ان تأخير تنفيذ هذا المشروع الضخم يلقي بظلاله الثقيلة على قطاعات التصنيع والخدمات والاستثمار والامن الغذائي في مختلف ارجاء القارة السمراء.

واكد خبراء ومسؤولون خلال نقاشات اقتصادية دولية ضرورة التحرك العاجل لتجاوز العقبات التي تحول دون تدفق السلع والخدمات بسلاسة بين الدول الافريقية. واشار المتخصصون الى ان الاتفاقية تمتلك القدرة على رفع حجم الاقتصاد الافريقي الى ارقام فلكية اذا ما تم تذليل الصعاب البيروقراطية واللوجستية. وبينوا ان استمرار الوضع الراهن يحد من قدرة الدول على تعزيز موقعها في التجارة العالمية ويزيد من اعتمادها المفرط على الاسواق الخارجية.

واضاف المحللون ان المؤشرات الحالية تكشف ان التجارة البينية الافريقية لا تزال عند مستويات منخفضة لا تتناسب مع الموارد الهائلة التي تملكها الدول. وشددوا على ان تحسن البيانات التجارية يظل دون الطموحات المرجوة طالما لم يتم الغاء الرسوم الجمركية بشكل كامل وتوحيد المعايير الفنية بين الدول الاعضاء في هذه المنطقة التجارية الواسعة.

واقع التبادل التجاري وتحديات الارتهان للخارج

وبينت الارقام الاخيرة نموا طفيفا في تجارة السلع والتبادل البيني ومع ذلك تظل هذه النسبة ضئيلة مقارنة بحجم التجارة مع اسيا واوروبا. واوضح خبراء اقتصاديون ان هذا الضعف في التكامل يعود الى اعتماد الدول الافريقية على شركاء دوليين بدلا من بناء سلاسل قيمة اقليمية قوية. واشاروا الى ان القارة تمتلك احتياطيات ضخمة من المعادن الحرجة كالليثيوم والكوبالت لكن مساهمتها في الاقتصاد العالمي لا تزال هزيلة.

واكد رشيد ساري ان التوجه نحو الشراكات مع القوى الخارجية غالبا ما يطغى على اولويات التعاون الداخلي. واضاف ان الارتهان للاتفاقيات القديمة التي تستنزف المواد الخام يكرس التبعية الاقتصادية ويمنع تحقيق الاكتفاء الذاتي. وبين ان القارة تحتاج الى تغيير جذري في استراتيجيتها الاقتصادية لضمان الاستفادة من ثرواتها لصالح شعوبها.

واشار لحسن حداد الى ان ضعف البنية التحتية والربط اللوجستي يرفع تكلفة نقل البضائع داخل القارة الى مستويات قياسية تجعل التصدير للخارج اسهل من التبادل المحلي. واضاف ان الحواجز غير الجمركية والتعقيدات الادارية تشكل عائقا اضافيا امام المستثمرين. وبين ان غياب التكامل المالي يعقد عمليات الدفع والتحويلات المالية ويضعف حركة التجارة البينية بشكل مباشر.

فاتورة عدم التفعيل والفرص الضائعة

وكشفت دراسات حديثة ان استمرار تعثر اتفاقية التجارة الحرة يكبد القارة خسائر فادحة تقدر بمئات المليارات من الدولارات في قطاعات التصنيع والخدمات. واظهرت الحسابات ان عدم تفعيل الاتفاقية بشكل كامل يحرم الاقتصاد الافريقي من مكاسب ضخمة كانت ستعزز من حصة الصادرات في السوق العالمية. واكد خبراء ان هذا التعثر يكرس تجزئة السوق الافريقية ويضعف الموقف التفاوضي للدول امام التكتلات الدولية الكبرى.

واضاف المتخصصون ان غياب التكامل يمنع الدول من تطوير صناعات محلية قوية ويجعلها عرضة لتقلبات الاسعار العالمية للمواد الخام. وبينوا ان 65% من الاراضي الصالحة للزراعة لا تزال غير مستغلة بالشكل الامثل مما يفاقم ازمات الامن الغذائي. واكدوا ان التفعيل الكامل للاتفاقية كان سيخلق سوقا موحدة تضم اكثر من مليار مستهلك قادرة على جذب استثمارات اجنبية مباشرة وضخمة.

واشار المراقبون الى ان الطموح القاري لا يتوقف عند تسهيل التجارة بل يمتد الى امكانية تبني نظام نقدي موحد يخفف عبء الاعتماد على العملة الصعبة. واوضحوا ان الانتقال من الالتزام السياسي الى التنفيذ الفعلي على ارض الواقع هو التحدي الاكبر امام القادة الافارقة في المرحلة المقبلة. وبينوا ان النجاح في هذا المسار سيؤدي حتما الى خفض معدلات البطالة وتحقيق نهضة اقتصادية شاملة للقارة.