يواجه المشهد السياسي في بريطانيا تحديات وجودية تتجاوز في ابعادها الازمات التقليدية، حيث كشف انهيار حكومة كير ستارمر عن عمق الهوة المالية التي خلفتها سنوات ما بعد البريكست. واظهرت التحليلات الاقتصادية ان الدولة باتت تكافح لتمويل اولوياتها الوطنية في ظل تراجع حاد في قاعدة الايرادات، وهو وضع جعل من الصعب على الحكومات المتعاقبة المناورة بحرية في موازناتها العامة.
واضاف الخبراء ان الجدل الدائر اليوم لم يعد مقتصرا على حجم الناتج المحلي المفقود، بل امتد ليشمل العجز الضريبي الذي تسبب في تقليص قدرة الخزانة العامة على الانفاق. واكدت التقارير ان استقالة ستارمر لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، بل كانت نتيجة مباشرة لضغوط مالية خانقة فرضت قيودا صارمة على وزيرة المالية راشيل ريفز، التي وجدت نفسها محاصرة بين تعهدات بعدم رفع الضرائب وقواعد تحد من الاقتراض.
وبينت الدراسات الصادرة عن مكتب مسؤولية الميزانية ان الاثر المالي طويل الاجل للخروج من الاتحاد الاوروبي اصبح قيدا ملازما لكل خطة اقتصادية جديدة. وشدد الاقتصاديون على ان بريكست اضاف عبئا هيكليا دائما تمثل في اقتصاد اصغر وقاعدة ضريبية ضعيفة، مما جعل الاقتصاد البريطاني اقل قدرة على الصمود امام الصدمات العالمية المتلاحقة.
تكلفة الاقتصاد الاصغر
وكشفت التقديرات ان خروج بريطانيا ادى الى خفض انتاجية الاقتصاد بنسبة 4% نتيجة تراجع كثافة التجارة بنحو 15%. واوضح الباحثون ان هذه الخسارة تعادل سنويا نحو 116 مليار جنيه استرليني، وهو رقم ضخم يثقل كاهل الميزانية العامة للدولة. واشار التقرير الى ان جزءا كبيرا من هذا الاثر قد تحقق فعليا منذ دخول اتفاق التجارة والتعاون حيز التنفيذ.
واكدت تقديرات مؤسسات بحثية عالمية ان الاثر الفعلي قد يتجاوز التوقعات، حيث اشارت بعض المراكز الى انخفاض طويل الاجل قد يصل الى 8%. واوضحت البيانات ان جميع المنهجيات الاقتصادية تتفق على حقيقة واحدة، وهي ان الاقتصاد البريطاني اليوم اصغر بكثير مما كان سيكون عليه لو بقيت البلاد ضمن التكتل الاوروبي.
وبينت التحليلات ان خسارة الناتج ليست هي المعضلة الوحيدة، بل ان العجز في الايرادات الضريبية هو ما يقيد قدرة الحكومة على الانفاق. واضاف الباحثون ان هذا النقص في السيولة يضطر الدولة للجوء الى التقشف او زيادة الاقتراض، مما يرفع من كلفة خدمة الدين العام ويخلق ضغوطا مالية تراكمية طويلة الامد.
الايرادات الضريبية لا الناتج
وكشف الباحث جون سبرينغفورد ان انخفاض الانتاجية بنسبة 4% يعني خسارة سنوية تقدر بـ 40 مليار جنيه استرليني من الايرادات الضريبية. واضاف ان الزيادات الضريبية الكبيرة التي شهدتها البلاد بين 2019 و2024 كانت نتيجة حتمية لهذا الوضع، وكان من الممكن تفاديها لو اتخذت قرارات اكثر مرونة في ملف الخروج.
واوضح التقرير ان العجز الضريبي قد يصل الى 50 مليار جنيه استرليني سنويا اذا استمر المسار الاقتصادي الحالي. وشدد الخبراء على ضرورة التفرقة بين خسارة الناتج والايرادات، لان الاخيرة هي المحرك الفعلي للخدمات العامة والقدرة الانفاقية للحكومة.
واكد معهد الدراسات المالية ان سد هذه الفجوة يتطلب سنوات من التقشف الصارم. واضاف ان استمرار هذا النقص يبقي الدين العام في مستويات مرتفعة، مما يحول الخسارة الضريبية الى ازمة مالية مزمنة تؤثر على استقرار الحكومات.
عائد تجاري لم يتحقق
وكشفت الدراسات ان وعود مؤيدي البريكست حول ابرام اتفاقيات تجارية بديلة لم تحقق النتائج المرجوة. واوضح مركز الاداء الاقتصادي ان اتفاقيات التجارة الحرة الموقعة منذ 2016 لن ترفع حجم الاقتصاد الا بنسبة ضئيلة لا تتجاوز 0.47%، وهي نسبة لا تقارن بالخسائر الفادحة التي تكبدها الاقتصاد.
واضافت التقارير ان الاتفاقيات مع دول مثل اليابان واستراليا عوضت جزءا محدودا جدا من التجارة المفقودة مع اوروبا. وبينت اللجنة المستقلة للعلاقات البريطانية الاوروبية ان الشراكات الجديدة لا تزال ذات قيمة اقتصادية محدودة، ولا يمكنها بأي حال تعويض السوق الاوروبية الواحدة.
واكدت البيانات الحكومية ان الاتفاقيات الجديدة عوضت نحو 14% فقط من حجم التجارة المفقودة. وشدد الخبراء على ان هذه الارقام تؤكد ان الرهان على "بريطانيا العالمية" واجه واقعا اقتصاديا اكثر تعقيدا مما كان يتصوره السياسيون.
من خلافات حول الموازنة لازمة حكومية
واظهرت الازمات الاخيرة ان تداخل القيود المالية والسياسية حول كل موازنة الى معادلة صفرية. واوضحت ان التعهدات بعدم رفع الضرائب الرئيسية مثل الدخل والقيمة المضافة قلصت خيارات الحكومة بشكل كبير. واضاف التقرير ان قواعد الانضباط المالي الصارمة جعلت من اي زيادة في الانفاق امرا محفوفا بالمخاطر السياسية.
وبينت التحليلات ان الاسواق المالية اصبحت اكثر تشددا، خاصة بعد تجربة حكومة ليز تراس التي انتهت بسقوط سريع. واكد المحللون ان الضغوط المالية باتت تفرض نفسها كعامل حاسم في سقوط الحكومات، حيث تحول العجز السنوي الى محرك اساسي للازمات السياسية.
واضاف التقرير ان استقالة يونيو 2026 كانت ذروة تداخل هذه العوامل. وشدد على ان التحدي الذي تواجهه بريطانيا يتجاوز مجرد الادارة الاقتصادية، ليصل الى ازمة ثقة في قدرة الدولة على تمويل احتياجاتها دون الدخول في دوامة من الصراعات السياسية.
بريكست ليس العامل الوحيد
وكشفت التحليلات ان ربط كل مشاكل بريطانيا المالية بالبريكست يعتبر تبسيطا مخللا. واضاف الباحثون ان الاقتصاد لا يزال يتأثر بتبعات الازمة المالية العالمية لعام 2008 وجائحة كورونا. واكدوا ان ارتفاع فوائد الدين والخيارات المالية الخاطئة لعبت ايضا دورا في تعقيد المشهد.
وبين التقرير ان منهجية "النظير الافتراضي" استخدمت للمقارنة بين بريطانيا واقتصادات مشابهة. واكد الباحثون انهم واثقون من نتائجهم التي تظهر ان البريكست شكل عبئا اضافيا واضحا. واشاروا الى ان الدراسات الامريكية دعمت هذه الخلاصة بشكل كبير.
واضاف الخبراء ان تحديد الاثر الخاص بالبريكست يظل ملفا معقدا. وشددوا على ان التحدي الهيكلي الذي تواجهه المالية العامة يتجاوز دورة حكومية واحدة، مما يتطلب رؤية اقتصادية بعيدة المدى للخروج من هذا النفق.
تقديرات محل خلاف
واظهرت الاراء الاقتصادية ان هناك تباينا حول تقديرات مكتب مسؤولية الميزانية. واوضح جوليان جيسوب ان الادلة التي استندت اليها التوقعات قد تكون ضعيفة. واضاف ان التجارة البريطانية صمدت بشكل افضل مما كانت تتوقعه النماذج السابقة في بعض القطاعات.
وبين التقرير ان الدراسات الحديثة لا تزال تشير الى اضرار ملموسة في الاستثمار والتجارة. واكد ان حتى الحد الادنى من تقديرات انخفاض الانتاجية يكفي لزعزعة استقرار المالية العامة. وشدد على ان هذه الفجوة المالية تحد من قدرة اي حكومة على توسيع الانفاق الاجتماعي.
واضاف المحللون ان الجدل سيستمر حول هذه الارقام. واكدوا ان الواقع الاقتصادي الذي يعيشه المواطن البريطاني يظل المقياس الحقيقي لنجاح او فشل السياسات المالية المتبعة.
عبء دائم على المالية
وكشفت الحصيلة النهائية بعد عقد من استفتاء 2016 ان الاثر المالي للبريكست تراكمي ومستمر. واوضح التقرير ان الدولة تعاني من ارتفاع الضرائب وتراجع هوامش المناورة المالية. واكد ان هذا الوضع ليس مجرد سحابة صيف، بل عبء هيكلي طويل الامد.
واضاف ان ضعف الايرادات يظل العائق الاكبر امام طموحات الحكومة. وشدد على ان المالية العامة البريطانية تحتاج الى اصلاحات جذرية للتعامل مع هذا الواقع الجديد. واكد ان المستقبل الاقتصادي للبلاد مرهون بقدرتها على معالجة هذه الفجوة المالية التي تزداد اتساعا.
