تتصدر قضية تطهير الاراضي الجزائرية من الالغام التي خلفها الاستعمار الفرنسي واجهة النقاشات الدولية في جنيف، حيث تسعى الجزائر الى تحويل هذا الملف من مجرد مسالة تاريخية الى قضية حقوق انسان معاصرة تفرض نفسها على طاولة العلاقات الثنائية مع باريس. وتؤكد الجزائر ان هذه المتفجرات لا تزال تشكل عائقا حقيقيا امام التنمية وتعرقل حرية التنقل في المناطق الحدودية، مما يستوجب اعترافا بتبعاتها والمسؤولية المترتبة عليها.

واوضح ممثل الجزائر الدائم لدى الامم المتحدة ادريس لطرش، خلال فعاليات مجلس حقوق الانسان، ان هذه القضية تتجاوز الذاكرة لتصبح رهانا انسانيا يتطلب دعما دوليا، مشيرا الى ان الارث الثقيل المتمثل في نحو 11 مليون لغم لا يزال يثقل كاهل السكان في الحدود الشرقية والغربية للبلاد. وبين ان هذه الالغام تحصد الارواح وتخلف اعاقات دائمة وصدمات نفسية، وهو ما يجعل من ملف التعويضات وحقوق الضحايا جزءا لا يتجزأ من مسار المصالحة التاريخية.

واكد لطرش ان العمل ضد الالغام لا يمكن ان يقتصر على عمليات الازالة الميدانية فقط، بل يجب ان يمتد ليشمل ضمان دعم شامل ومستدام للناجين واعادة ادماجهم في المجتمع لضمان حقوقهم الاساسية. وشدد على ان مسار التحرر من هذا الخطر لا ينتهي عند نزع اللغم الاخير، بل يتطلب رؤية دولية واضحة لتمكين ضحايا هذه الحروب من استعادة حياتهم الطبيعية.

ابعاد كارثية وتحديات ميدانية مستمرة

وكشفت التقارير الرسمية الجزائرية عن حجم المأساة التي خلفتها الخطوط المكهربة التي انشاتها فرنسا خلال الحقبة الاستعمارية، والتي امتدت لمئات الكيلومترات على الحدود الشرقية والغربية. واظهرت البيانات ان هذه المتفجرات تسببت في سقوط الاف الضحايا من المدنيين سواء خلال فترة الثورة او في السنوات التي تلت الاستقلال، مما يبرز الاثر طويل الامد لهذا التلوث الارضي.

واضاف التقرير الذي رفعته الجزائر الى الهيئات الاممية ان الجهود الوطنية نجحت في تفكيك اكثر من مليون لغم وتطهير مساحات شاسعة من الاراضي التي تم تحويلها لاحقا الى مناطق زراعية منتجة. واشار الى ان المناطق الحدودية مثل الطارف وسوق اهراس وتلمسان كانت الاكثر تضررا، حيث لا تزال الاثار الجسدية والاجتماعية تلاحق العائلات التي عانت من هذه المتفجرات لسنوات طويلة.

واكدت السلطات الجزائرية في ختام مشاركتها الدولية ان ملف الالغام يظل شرطا اساسيا لارساء علاقات متوازنة مع فرنسا، مشددة على ان المسؤولية الاخلاقية والقانونية تجاه الضحايا لا تسقط بالتقادم. وبينت ان المجتمع الدولي مطالب اليوم بوضع حد لهذه التبعات وتقديم الدعم اللازم لطي صفحة الماضي الاليم التي لا تزال تترك ندوبا في جسد الارض والانسان.