اشعل قرار الحكومة الاسرائيلية بالاعتراف بما سمته الابادة الجماعية للارمن على يد الدولة العثمانية فتيل توتر جديد مع تركيا، حيث جاء هذا التحرك في وقت تتصاعد فيه حدة الخطاب السياسي بين رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس التركي رجب طيب اردوغان. واكد مراقبون ان هذه الخطوة تفتقر الى التصديق البرلماني اللازم لتصبح نافذة، لكنها اثارت غضبا تركيا واسعا تم التعبير عنه عبر بيان رسمي للخارجية التركية، التي وصفت القرار بانه محاولة يائسة للتغطية على الجرائم المرتكبة في قطاع غزة والهروب من الملاحقة امام محكمة العدل الدولية.

واوضحت الخارجية التركية ان اسرائيل التي تضطهد الشعب الفلسطيني تسعى من خلال نبش ملفات تاريخية حساسة الى حرف الانظار عن الواقع الميداني والاتهامات الدولية الموجهة اليها بارتكاب ابادة جماعية بحق الغزيّة بحق المدنيين في غزة. وبينت مصادر سياسية ان هذا الملف يعد من اكثر القضايا تعقيدا في السياسة الخارجية التركية، حيث ترفض انقرة بشدة توصيف الاحداث التي وقعت عام 1915 بالابادة، بينما كانت الحكومات الاسرائيلية السابقة تتجنب هذا الملف للحفاظ على علاقات استراتيجية مع الجانب التركي.

واضاف محللون ان التغيرات الكبيرة في المنطقة منذ احداث السابع من اكتوبر خلقت فجوة عميقة بين تل ابيب وانقرة، حيث تباينت المواقف في ملفات سوريا وشرق المتوسط، مما دفع اطراف دولية مثل الولايات المتحدة لمحاولة احتواء التدهور في العلاقات، الا ان حكومة نتنياهو تواصل استخدام اوراق ضغط سياسية املا في فرض ترتيبات اقليمية جديدة تخدم مصالحها الامنية والاقتصادية.

خلفيات الصراع وانهيار الثقة

وكشفت التطورات الاخيرة عن عمق ازمة الثقة بين الطرفين، خاصة بعد ان تحولت المصافحة التاريخية بين اردوغان ونتنياهو في نيويورك عام 2023 الى قطيعة شاملة. واكدت تركيا موقفها بقطع العلاقات التجارية مع اسرائيل ودعمها الكامل للقضية الفلسطينية في المحافل الدولية، وهو ما قابله الجانب الاسرائيلي بتصعيد اعلامي وسياسي غير مسبوق شمل التلويح بملفات كانت مؤجلة منذ سنوات طويلة.

وذكرت تقارير سياسية ان التحرك الاسرائيلي تجاه ملف الارمن لا يحظى باجماع داخلي، اذ انتقدت شخصيات سياسية اسرائيلية معارضة استخدام هذا التاريخ كسلعة سياسية لتحقيق مكاسب وقتية. واشار سياسيون الى ان البرلمان الاسرائيلي كان قد افشل محاولات مماثلة في سنوات سابقة، مما يعزز القناعة بان القرار الحالي ليس نابعا من دافع اخلاقي بل هو رد فعل كيدي على المواقف التركية الاخيرة.

وبينت الاستاذة الجامعية الكيم بوكا اوكيار ان العلاقات التركية الاسرائيلية تظل محكومة بالمحور الامريكي، مشيرة الى ان نتنياهو يدرك تماما ابعاد هذه اللعبة السياسية. واكدت ان التوتر الحالي تجاوز حدود التصريحات ليشمل انضمام تركيا لدعاوى قانونية دولية ضد اسرائيل، مما دفع مسؤولين اسرائيليين للحديث عن تهديدات متبادلة، وهو ما استبعده خبراء عسكريون واكاديميون في انقرة مؤكدين ان الشراكة الاستراتيجية القديمة قد تلاشت لتحل محلها ازمة ثقة مزمنة.

موقف ارمينيا وتداعيات الملف

واظهرت ردود الفعل الارمينية تحفظا لافتا تجاه الاستغلال السياسي لقضيتهم، حيث اكد رئيس الوزراء نيكول باشينيان ان مصلحة بلاده تكمن في عدم الانخراط في صراعات لا تخدم اهدافها الوطنية. واضاف ان ارمينيا تسعى لتطبيع علاقاتها مع تركيا ولا ترى داعيا لتحويل ملف الابادة الى سلاح في يد اطراف ثالثة، وهو ما يعكس رغبة يريفان في تجاوز الماضي لصالح استقرار اقليمي مستدام.

واشار مراقبون الى ان اذربيجان دخلت على خط الازمة منتقدة القرار الاسرائيلي، حيث اعتبرت الخارجية الاذربيجانية ان تحويل الحقائق التاريخية الى قرارات سياسية هو امر غير مقبول ولا يخدم جهود السلام في المنطقة. وبينت التحليلات ان هذا الموقف ياتي انسجاما مع التحالف القوي بين انقرة وباكو، خاصة بعد النجاحات العسكرية التي حققتها اذربيجان في استعادة اراضيها.

واكد خبراء في شؤون الشرق الاوسط ان ملف الارمن سيبقى ورقة ضغط في يد الحكومة الاسرائيلية طالما استمرت حدة الخلاف مع تركيا، لكنه لن يغير من الحقائق السياسية على الارض. واوضحوا ان المجتمع الارمني في القدس، الذي يواجه تحديات وجودية خاصة به، يدرك ان هذه المناورات الاسرائيلية لا تقدم له دعما حقيقيا بل تستخدم معاناته التاريخية كاداة في صراع سياسي عابر لا علاقة له بالعدالة.