ولكوا… استحوا
بقلم: عوني الرجوب
باحث وكاتب سياسي
حين يصبح السؤال جريمة، والنقد تهمة، والمطالبة بالإصلاح عبئًا، نكون قد دخلنا مرحلة لا تحتاج مزيدًا من الكلام، بل تحتاج مراجعة حقيقية لفكرة المسؤولية نفسها.
الدولة لا تُبنى بالصمت، ولا تستقيم بالخوف، ولا تُدار بإسكات الناس، بل تُبنى بالعدل، وبالمحاسبة، وبالإجابة عن الأسئلة قبل أن تتراكم.
ولكوا… استحوا.
حين يخاف المسؤول من النقد أكثر مما يخاف من الخطأ، ويعتبر مساءلته استهدافًا بدل أن يعتبرها واجبًا، فهنا تبدأ الأزمة الحقيقية في الإدارة لا في الناس.
المسؤولية ليست وجاهة، وليست امتيازًا، وليست موقع قوة، بل هي امتحان يومي في خدمة الناس، ومن لا يحتمل السؤال لا يصلح لتحمل الأمانة.
ولكوا… استحوا.
حين تتحول الوعود إلى طقوس تتكرر بلا نتائج، ويصبح المواطن يعيش على انتظار لا ينتهي، بينما الواقع يزداد صعوبة، هنا يفقد الكلام معناه وتفقد الثقة قيمتها.
الدولة لا تُقاس بما يُقال، بل بما يُنجز. ولا تُحترم بالتصريحات، بل بما يشعر به المواطن في معيشته وكرامته.
ولكوا… استحوا.
حين تصبح الكفاءة بلا قيمة، والواسطة طريقًا مختصرًا، والاستحقاق تفصيلًا ثانويًا، فإنك لا تضعف مؤسسة فقط، بل تضعف فكرة العدالة ذاتها في المجتمع.
العدالة ليست شعارًا، بل هي الإحساس بأن الفرص تُمنح لمن يستحق، لا لمن يملك الطريق الأقصر إلى النفوذ.
ولكوا… استحوا.
حين يُثقل الفقير بالهموم، ثم يُطلب منه الصبر بلا نهاية، وتُترك كرامته معلقة بين الحاجة والانتظار، فإن الكلام عن العدالة يفقد صدقه، مهما كان جميلًا.
الكرامة ليست منحة، بل حق، والإنسان لا يُقاس بضعفه أو قوته، بل بمدى إنصاف الدولة له.
ولكوا… استحوا.
حين يُخنق النقد باسم الاستقرار، ويُصوَّر الرأي المختلف كأنه تهديد، فإن الاستقرار نفسه يتحول إلى هشاشة مؤجلة، لأن الدول التي لا تسمع أبناءها تفقد قدرتها على تصحيح أخطائها.
القوة ليست في إسكات الناس، بل في القدرة على سماعهم دون خوف.
وفي النهاية، لا يدوم منصب، ولا يبقى كرسي، ولا تستمر سلطة، لكن يبقى أثر الإنسان: إما عدل يُذكر أو ظلم يُروى.
الدول التي تحترم نفسها هي التي تُنصف مواطنيها، وتفتح باب المساءلة، وتُعلي قيمة الإنسان قبل أي اعتبار آخر.
فالوطن لا يحتاج إلى مزيد من الصمت، بل إلى مزيد من العدل.
ولا يحتاج إلى تبرير الأخطاء، بل إلى تصحيحها.
ولا يحتاج إلى إسكات الناس، بل إلى إنصافهم.
ولكوا… استحوا، فالوطن أكبر من الجميع.
إن بقاء الأوطان لا يكون بالشعارات، بل بالعدل الذي يُنصف الناس، وبالمسؤولية التي تُحترم، وبالحقوق التي تُحفظ دون تمييز.
وحين يشعر المواطن أن كرامته مصانة وأن صوته مسموع، تستقيم الثقة بينه وبين دولته.
فالمناصب زائلة، ويبقى الوطن وحده هو الحقيقة الأهم.
حفظ الله الأردن، وقيادته الهاشمية وشعبه من كل مكروه وسوء
وأدام عليه الأمن والاستقرار، وجعل العدل والمساءلة والشفافية نهجًا دائمًا، ليبقى الاردن وطنًا قويًا، عزيزًا عصي على الأعداء والفاسدين
